facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




حين تصبح القلّاية رفاهًا


م. عامر البشير
15-04-2026 01:09 PM

من البندورة إلى العجز

في بلادي كانت القلّاية فيها طقسًا، لا وجبة…
حكايةً، لا حسابًا…
تحوّلت البندورة من رائحة بيتٍ إلى معادلة كلفة.

لم تعد القلّاية تُقاس بكمّ الثوم، ولا بقدحة زيت الزيتون حين يلامس المقلاة، بل صارت تُقاس بارتباك الجيب… وبصمت السؤال: كم تبقّى؟

البندورة، تلك التي كانت تُقطف من الأرض كأنها امتدادٌ ليد الفلّاح، لم تعد ابنته… بل أصبحت ابنة السوق.
تُسعَّر لا بجهده، بل بمساراتٍ طويلة من الوسطاء، وبأسواقٍ خارج الحدود تعرف قيمتها أكثر من أهلها.

وهنا تبدأ المفارقة الكبرى:
أن يتحوّل المنتج المحلي، في أرضه، إلى سلعةٍ مُترفٍ بها… وأن يُعاد تعريف “البلدي” من كونه حقًا طبيعيًا، إلى كونه امتيازًا اقتصاديًا.

في الأردن، لم تعد القلّاية مجرد وجبة شعبية،
بل أصبحت مرآةً دقيقة لخللٍ أعمق: خلل في العلاقة بين الإنتاج والاستهلاك، بين القيمة والسعر، وتخبّط بين سياسة الاغراق او التصدير، بين ما نملك… وما نستطيع الوصول إليه.

كيف يمكن لبلدٍ يُنتج، أن يُقصي أبناءه عن إنتاجه؟
كيف تصبح البندورة الأردنية أرخص على رفوف دولٍ مجاورة، في الشرق الأوسط، ممن هي عليه في أسواقها الأولى؟

السؤال ليس اقتصاديًا فقط… بل أخلاقي أيضًا.

القلّاية التي كانت تُعدّ لثلاثة أو أربعة اشخاص، 
كانت يومًا ما تُصنع بعفوية: بندورة، بصل، فلفل، قليل من الزيت…وربما كثير من الضحك.
اليوم، تُصنع بحذر:
كيلو بندورة يُحسب، ولتر الزيت يُفكَّر فيه، وكل ملعقةٍ تُقاس كما لو أنها قرار مالي.

أن تصل كلفة القلّاية إلى خمسة عشر دينارًا،
وعشرين إن دخل زيت الزيتون البلدي على الخط… فهذا ليس رقمًا فقط، بل إعلانٌ صامت أن شيئًا ما قد اختلّ في بنية الحياة نفسها.

ليست المشكلة في البندورة… ولا في زيت الزيتون… بل في المسافة التي كبرت بين الناس وأشيائهم البسيطة.

المشكلة حين تتحوّل الوجبة الشعبية إلى رفاه،
والرفاه إلى عبء، والعبء إلى صمت.

في النهاية،
قد لا تكون القلّاية هي القضية… لكنها الدليل،

دليلٌ على أن الاقتصاد، حين يبتعد عن الناس،
لا يظهر أولًا في المؤشرات… بل يظهر في ما تعكسه المقلاة في وجوه البشر.

في تلك اللحظة الصغيرة، حين يقف أحدهم أمام البندورة، ولا يشتريها… لا لأنه لا يريدها،
بل لأنه لم يعد يستطيع أن يريدها.

وهنا، لا تعود القلّاية مجرد طبق… بل تتحوّل إلى سؤالٍ كبير:

كيف يمكن لوطنٍ أن يُطعم الآخرين من خيراته، بينما أبناؤه يعيدون حساب وجباتهم البسيطة؟





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :