facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




اقتصاد الأزمة وحروب الاستنزاف


عيسى حداد
15-04-2026 01:20 PM

في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها الإقليم، لم يعد الاقتصاد منفصلاً عن الجغرافيا السياسية، بل أصبح أحد أبرز ميادين الصراع. ومع تصاعد التوتر بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، تبرز الحاجة إلى تبني مفهوم "اقتصاد الأزمة" كخيار استراتيجي لا بديل عنه، خاصة للدول التي تقع في قلب التأثيرات غير المباشرة، ومنها الأردن. اقتصاد الأزمة هو نمط إدارة استثنائي يُعتمد في مواجهة التهديدات الكبرى، حيث تُعاد صياغة الأولويات الوطنية بما يضمن الحفاظ على الاستقرار الداخلي، حتى لو جاء ذلك على حساب بعض مؤشرات النمو التقليدية، وهو لا يعني الانكماش بل إعادة توزيع الموارد بكفاءة وتعزيز القدرة على الصمود. وقد أظهرت الحرب الروسية الأوكرانية أن الدول التي امتلكت خطط طوارئ مسبقة والتحولت بسرعة إلى بدائل محلية للغذاء والطاقة تمكنت من تخفيف الصدمة، في حين فاجأت الأزمة من أهملوا الاستعداد.

في سيناريو المواجهات المطولة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل إذا ما عادت والتي قد تمتد لأشهر أو سنوات على شكل حرب استنزاف، فإن المؤشرات الحالية تشير إلى هشاشة الحلول السياسية. لا يمكن قراءة هذه الحرب كأحداث عابرة، بل هي تصعيد قد يتحول إلى صراع طويل الأمد تُقاس فيه موازين القوة بقدرة الأطراف على التحمّل لا بسرعة الحسم. وهذا النوع من الصراعات لا يبقى محصوراً، بل يمتد ليطال الإقليم والعالم في ملفي الطاقة والغذاء، فالتوترات في مضيق هرمز تنعكس فوراً على أسعار النفط، وتتأثر سلاسل الإمداد العالمية، مما يضع الدول المستوردة أمام تحديات متزايدة. فكل ارتفاع بنسبة 10% في أسعار النفط يزيد عجز الموازنة الأردنية بنحو 0.3% من الناتج المحلي، ويضغط على العملة المحلية.

بالنسبة للأردن، التحدي ليس في كونه خارج دائرة الصراع المباشر، بل في عمق تأثره الاقتصادي. فالمملكة تسترد نحو 90% من احتياجاتها من الطاقة وأكثر من 60% من غذائها، مما يجعلها عرضة لتقلبات الأسعار واختناقات التوريد. ومن هنا يصبح تبني اقتصاد الأزمة ضرورة وطنية. يتطلب تعامل الحكومة مع هذا الواقع تحركاً متكاملاً: تعزيز الأمن الاستراتيجي للغذاء والطاقة عبر بناء مخزونات كافية تكفي لستة أشهر على الأقل، وتوسيع مصادر الاستيراد، والاستثمار في الطاقة المتجددة لتقليل الاعتماد على النفط المستورد. والعودة إلى الأرض كخيار استراتيجي لا يقل أهمية عن أي سياسة اقتصادية أخرى، عبر دعم الزراعة المحلية وترشيد المياه وتمكين المجتمعات الريفية، إلى جانب إدارة مالية ونقدية أكثر انضباطاً تخفف أعباء التضخم عن المواطنين، وتنويع الشراكات الاقتصادية وعدم الارتهان لمسارات تقليدية في التجارة والطاقة. ولا يقل دور القطاع الخاص والمجتمع المدني أهمية، فالأول يستطيع تأمين خطوط بديلة للإمداد والاستثمار في المشاريع الزراعية والطاقوية، والثاني يساهم في ترشيد الاستهلاك وتعزيز التماسك الاجتماعي في وجه الصدمات.

في سياق حرب الاستنزاف، لا يُقاس معيار القوة فقط بالإمكانات العسكرية، بل بمدى القدرة على إدارة الموارد واستدامتها. فالدول التي تحافظ على تماسك جبهتها الداخلية وتؤمن احتياجاتها الأساسية هي الأقدر على الصمود، حتى وإن لم تكن طرفاً مباشراً في الصراع. يقف الأردن اليوم أمام اختبار حقيقي لقدراته على التكيف مع بيئة إقليمية مضطربة. وبينما قد لا يملك التأثير في مسار الصراع، إلا أنه يملك القدرة على إدارة تداعياته بوعي واستباقية. وهنا تكمن أهمية اقتصاد الأزمة، ليس كإجراء مؤقت بل كنهج استراتيجي يعزز الصمود، ويحمي الأمن الوطني، ويؤسس لمرحلة أكثر اعتماداً على الذات.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :