القدسُ نبضُ التّاريخ ووجعُ الحاضر
أمل المشايخ
18-04-2026 09:24 AM
"تاقتْ الرّوحُ إلى ديارٍ تعيشُ فينا
ويأخذُنا الحنينُ إليها كلَّ حين
هلمّوا بنا نعيشُ غروبَ هذا اليومِ منْ هناك ..من الأرضِ المباركةِ، منْ ساحاتِ بيتِ المقدسِ، نشاركُ الصّائمين فطورَهم في رحابِه، علّنا نشاركُهم إيّاه واقعًا يومَ الفتحِ بإذنِ الله... شاركونا أجملَ اللحظاتِ منْ داخلِ المسجدِ الأقصى المباركِ"
دعيتُ ليلةَ أمسِ لمتابعةِ بثٍّ حيٍّ ومباشرٍ من القدسِ الحبيبةِ حيثُ ثلّةٌ من السّيداتِ الفلسطينيّاتِ يعتكفنََ في رحابِ المسجدِ الأقصى بعدَ أنْ تناولنَ طعامَ الإفطارِ وقد أتممنَ صيامَ نافلةِ الخميسِ"
وكم كانَ سروري حينَ سمعتُ ذلكَ الحوارَ العفويَّ بينَ السّيداتِ الذي يعكسُ ما لهذه المدينةِ المقدّسةِ من مكانةٍ لا يدانيها مكانةٌ عند المسلمين والمسيحيين أيضًا فهي أرضُ كنيسةِ القيامةِ!
القدسُ مدينةُ التّاريخِ والرّوحِ في الوجدانِ الإسلاميِّ؛ رمزٌ حيٌّ للتّداخلِ بينَ الّدينِ والتّاريخِ والهويّةِ، وفي الوجدانِ الإسلاميِّ تكتسبُ القدسُ بُعدًا خاصًّا يتجاوزُ الجغرافيا؛ لتصبحَ فضاءً روحيًّا متجذّرًا في العقيدةِ والذّاكرةِ الجماعيّة.
منذُ أقدمِ العصورِ كانت القدسُ ملتقى للثّقافاتِ والدّياناتِ حينَ تعاقبتْ عليها حضاراتٌ متعدّدةٌ من الكنعانيّين إلى الرّومان، ثمّ دخلتْ مرحلةً جديدةً مع الفتحِ الإسلاميِّ في عهدِ الخليفةِ عمر بن الخطّابِ عام ٦٣٧م؛ إذْ شهدت المدينةُ تحوّلًا نوعيًّا في إدارتِها وطبيعةِ الحياةِ فيها؛ فقدْ عُرفتْ تلك المرحلةُ بالتّسامحِ الدّينيِّ، يشهدُ على ذلكَ "العهدةُ العمريّةُ" التي ضمنتْ لأهلِ المدينةِ حقوقَهم الدّينيّةَ والمدنيّةَ، غيرَ أنّ أهميّةَ القدسِ في الإسلامِ لا تتوقّفُ عندَ بعدِها التّاريخيِّ، بلْ تمتدُّ إلى عمقِ العقيدةِ؛ ففيها أولى القبلتين وثاني المسجدين وثالثُ الحرمين الشّريفين، وقدْ ارتبطتْ مكانةُ القدسِ بحادثةِ الإسراءِ والمعراجِ، حينَ أُسريَ بالنبيِّ محمّد صلّى اللهُ عليه وسلّمَ من المسجدِ الحرامِ إلى المسجد الأقصى، ومنها عُرج به إلى السّماء، هذه الحادثةُ جعلتْ من القدسِ نقطةَ وصلٍ بينَ الأرضِ والسّماءِ، ومنحتْها بعدًا روحيًّا عميقًا في عقيدةِ المسلمين.
ظلّت القدسُ حاضرةً في الوعي الجمعيّ، خاصّةً خلالَ فتراتِ الصّراعِ؛ فقدْ شكّلَ احتلالُها منْ قِبَلِ الصّليبيين عامَ ١٠٩٩م حزنًا عميقًا للمسلمين، لمْ ينتهِ هذا الحزنُ إلّا حينَ تحرّرت القدسُ على يدِ القائِد صلاح الدّين الأيوبيّ عام ١١٨٧م بعدَ معركة حطّين، وهو الحدثُ الذي أعادَ للمدينةِ مكانتَها، ورسّخَها رمزًا للكرامةِ والانتصارِ، ومنذُ ذلكَ الحينِ أصبحت القدسُ عنوانًا دائمًا للصّراعِ بينَ الاحتلالِ والتّحريرِ.
ظلّت القدسُ عاليةَ المقام في نفوسِ المسلمين لا لتاريخِها أو قدسيّتها وحسبُ، بل لارتباطها بالهويّةِ والّذاكرةِ أيضًا؛ فهي حاضرةٌ في الأدبِ وفي الشّعرِ، وفي الدّعاءِ حينَ تُذكرُ القدسُ بوصفِها القضيّةَ، والأمانةَ، لكنّها في الوقتِ ذاتِه تُستحضرُ بوصفِها رمزًا للثّباتِ والصّمودِ رغمَ ما شهدتْه منْ احتلالاتٍ وتحوّلاتٍ، وظلّتْ محافظةً على روحِها، وعلى طابِعها الدّينيِّ والثّقافيّ، وقدْ أسهمت المؤسّساتُ الدّينيّةُ والتّعليميّةُ فيها عبرَ العصورِ في الحفاظِ على هذا الطّابعِ، ممّا جعلَها مركزًا علميًّا وروحيًّا مهمًّا.
وفي العصرِ الحديثِ ازدادتْ أهميّةُ القدسِ في الخطابِ السّياسيِّ والثّقافيِّ حينَ أصبحتْ رمزًا للنّضالِ والهويّةِ، ومع تصاعدِ التّحديّاتِ التي تواجهُها -كانَ آخرُها إغلاقَ الأقصى مدّة أربعين يومًا منذُ بدايةِ رمضانَ المباركِ ومنعَ المسيحيّين منْ دخولِ كنيسةِ القيامةِ في احتفالاتِ عيدِ الفصحِ الماضي - ويزدادُ حضورُها في وجدانِ المسلمين، ليسَ فقط بوصفِها قضيّةً سياسيّةً، بلْ بوصفِها جزءًا من الإيمانِ والانتماءِ، فالقدسُ - بهذا المعنى- ليستْ مجرّدَ مدينةٍ تُزارُ، بلْ هي ذاكرةٌ لا تُمحى، وقضيّةٌ لا تسقطُ بالتّقادمِ، وفي قلبِ كلِّ ذلكَ، يبقى المسجدُ الأقصى شاهدًا على تاريخٍ طويلٍ من الإيمانِ والصّمودِ، ودعوةً مستمرةً للحفاظِ على هذا الإرثِ العظيمِ.
ليست القدسُ مجرّدَ مدينةٍ عابرةٍ في صفحاتِ التّاريخِ، بلْ هي سجلٌّ حيٌّ لحضاراتٍ تعاقبتْ، ورسالاتٍ التقتْ، وقلوبٍ تعلّقتْ بها منذُ فجرِ الإنسانيّة.
إنّ القدسَ اليومَ ليستْ قضيةَ شعبٍ فقط، بلْ قضيةَ ضميرٍ، إنّها اختبارٌ لإنسانيّتنا، ومرآةٌ لقيمنا؛ فحينَ ندافعُ عن القدسِ فإنّنا لا ندافعُ عنْ حجارةٍ، بلْ عنْ معنى العدالةِ، وعنْ حقّ الإنسانِ في أنْ يعيشَ حرًّا كريمًا.
بكيتُ.. حتّى انتهت الدّموعْ
صلّيتُ.. حتى ذابت الشُموعْ
ركعتُ.. حتّى ملّني الرّكوعْ
سألتُ عنْ محمّدٍ، فيكِ وعنْ يسوعْ
يا قدسُ، يا مدينةً تفوحُ أنبياءْ
يا أقصرَ الدّروبِ بينَ الأرضِ والسّماءْ
(نزار قبّاني)