الإشاعة… سلاح خفي يهدد استقرار الأوطان
د. سمر الشديفات
19-04-2026 10:11 PM
في زمن تتسارع فيه الأخبار قبل أن تكتمل حقائقها، لم تعد الإشاعة مجرد حديث عابر يتم تداوله في المجالس، بل تحوّلت إلى قوة خفية تتسلل إلى العقول وتؤثر في تشكيل الوعي الجمعي، مستفيدةً من فضاء رقمي مفتوح لا يعترف بضوابط. وفي خضم هذا التدفق الهائل للمعلومات، يجد الأردن نفسه أمام تحدٍ حقيقي، وهو الذي لطالما شكّل نموذجًا للاستقرار في منطقة تموج بالتحولات السياسية والاضطرابات المتلاحقة.
إن خطورة الإشاعة لا تكمن فقط في كونها معلومة مغلوطة، بل في قدرتها على ضرب الثقة، وهي الركيزة الأساسية لأي مجتمع مستقر. فعلى الصعيد الاقتصادي، يكفي أن تنتشر رواية غير دقيقة حتى تتزعزع ثقة المستثمرين، ويعم القلق في الأسواق، وتبدأ حركة الاقتصاد بالتباطؤ تحت وطأة الشك. فالثقة ليست عنصرًا ثانويًا في معادلة التنمية، بل هي قلبها النابض، وأي خلل فيها ينعكس مباشرة على فرص النمو والاستقرار المالي.
أما اجتماعيًا، فإن الإشاعة تمارس دورًا خفيًا في تفكيك النسيج المجتمعي، إذ تزرع الشك بين الأفراد، وتغذي المخاوف، وتضعف روابط الثقة التي يقوم عليها التماسك الاجتماعي. ومع تكرار تداول المعلومات المغلوطة، يتحول الخوف إلى حالة عامة، وتصبح الحقيقة غائبة وسط ضجيج الأخبار المتناقضة، وبالتالي تهدد القيم التي طالما ميّزت المجتمع الأردني من تضامن وتكافل.
وعلى المستوى السياسي، تتجلى خطورة الإشاعة بشكل أكثر وضوحًا، خاصة في ظل ما يحيط بالأردن من لهيب سياسي إقليمي. فالإشاعة هنا لا تكون مجرد خبر كاذب، بل أداة للتأثير على الرأي العام، ومحاولة لإضعاف الثقة بالمؤسسات، وبث الإحباط في نفوس المواطنين. وقد حذّر جلالة سيدنا مرارًا من خطورة تداول المعلومات غير الدقيقة، مؤكدًا في أكثر من مناسبة أن “الوعي هو خط الدفاع الأول عن الوطن”، وأن “تماسك الجبهة الداخلية هو أساس قوة الدولة وقدرتها على مواجهة التحديات”.
لقد أسهم عصر تدفق المعلومات في تسريع انتشار الإشاعات بشكل غير مسبوق، حيث أصبحت المعلومة تنتشر خلال لحظات، دون أن تمر بمراحل التحقق أو التدقيق، لتتحول في كثير من الأحيان إلى “حقيقة” في أذهان الناس لمجرد تكرارها. وفي هذا السياق، تبرز مسؤولية الفرد قبل المؤسسة، فكل شخص أصبح شريكًا في نقل المعلومة، إما أن يكون جزءًا من الحل أو جزءًا من المشكلة.
إن مواجهة الإشاعة في هذا العصر تتطلب وعيًا متقدمًا يتجاوز مجرد النفي أو التصحيح، ليصل إلى بناء ثقافة مجتمعية قائمة على التحقق والمسؤولية. فكلما كانت المعلومة الرسمية حاضرة بوضوح وشفافية، تضاءلت مساحة الإشاعة، وكلما ارتفع مستوى الوعي لدى الأفراد، تراجعت قدرة الأخبار المضللة على التأثير. وقد أكد جلالة سيدنا أن “الأردن قوي بوحدة شعبه ووعي أبنائه”، وهي رسالة تحمل في طياتها دعوة صريحة لتعزيز المسؤولية الجماعية في حماية الوطن من كل ما قد يمس أمنه واستقراره.
وبالمحصلة تبقى الإشاعة اختبارًا حقيقيًا لوعي المجتمع، ومرآةً تعكس مستوى إدراكه لمسؤولياته. والأردن، الذي واجه عبر تاريخه تحديات جسامًا بثبات وحكمة، قادر اليوم على تجاوز هذا التحدي كما تجاوز غيره، مستندًا إلى قيادة حكيمة وشعب يدرك أن الكلمة ليست مجرد وسيلة تعبير، بل أمانة قد تحفظ وطنًا أو تُربك استقراره. ففي زمن تتسارع فيه الأخبار، يبقى التثبت هو الفعل الأصدق، والوعي هو السلاح الأقوى.