الأردن بيتنا .. فلنحافظ عليه نظيفاً وجميلاً
حمزة المحيسن
19-04-2026 10:50 PM
بعد سنوات من الشح المطري، جاء هذا الموسم مختلفاً، وحمل معه خيراً انتظرته الأرض طويلاً. عاد المطر، واخضرّت الجبال والسهول، وارتدى الأردن ثوب الربيع مبكراً، من شماله إلى جنوبه، ومن باديته إلى أغواره، حتى بدا الوطن وكأنه يستعيد روحه من جديد.
في هذه الأيام، يطل الأردن بأجمل صورة؛ أزهار برية تملأ السفوح، وعصافير تعود لتغني في الصباح، وعائلات تخرج لتستمتع بدفء الشمس وهدوء الطبيعة. كما أن هذا الجمال لم يعد يلفت أنظار الأردنيين وحدهم، بل أصبح مقصداً للأشقاء العرب، وخصوصاً الزوار القادمين من دول الخليج العربي، الذين يحرص كثير منهم على زيارة الأردن في هذا الوقت من العام للاستمتاع بأجوائه المعتدلة وطبيعته الخضراء. وكثيراً ما نتابع عبر مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع مصورة نشرها زوار عبّروا فيها عن إعجابهم الكبير بربيع الأردن، ووثقوا جمال المكان ودفء الضيافة وروعة المشهد الطبيعي.
هذا المشهد المشرق يبعث الفرح، لكنه يدفعنا أيضاً إلى سؤال مهم: هل نحسن التعامل مع هذا الجمال كما يستحق؟
ورغم الجهود الكبيرة التي تبذلها الجهات المعنية للحفاظ على البيئة، وفي مقدمتها وزارة البيئة، وبالتعاون مع الإدارة الملكية لحماية البيئة، إلا أن بعض المواقع الطبيعية ما تزال تشهد سلوكيات مؤسفة تتكرر مع كل عطلة، وكأن البعض ينسى أن هذه الأماكن ليست مجرد مواقع للنزهة، بل كنز وطني ومساحة حياة يجب احترامها.
فبعد انتهاء بعض الرحلات، تبقى النفايات في المكان؛ أكياس بلاستيكية، علب فارغة، وبقايا طعام متناثرة بين الأشجار وعلى أطراف الطرق. هذه المشاهد لا تفسد المنظر فقط، بل تؤذي التربة والحياة البرية، وتترك أثراً سيئاً في مكان جاء الناس إليه بحثاً عن الراحة والجمال.
ومن المشاهد المؤلمة أيضاً إلقاء النفايات في عيون الماء التي تفجرت بعد موسم الشتاء في مواقع متعددة من ربوع الوطن. تلك الينابيع التي عادت بالحياة والعذوبة إلى الأرض، تتحول أحياناً إلى مكب عابر بسبب سلوك غير مسؤول، في مشهد يسيء إلى نعمة الماء وإلى جمال الطبيعة في آن واحد.
وهناك من يشعل النار بشكل عشوائي، أو يكسر الأغصان لاستخدامها حطباً، ثم يغادر دون التأكد من إطفائها بالكامل. وفي كثير من الأحيان، قد تبدأ كارثة بيئية من شرارة صغيرة، فتحرق الأشجار والأعشاب وتدمر مساحات واسعة خلال وقت قصير.
كما أن دخول المركبات إلى الأراضي المزروعة بالعشب أو بين الأشجار يضر بالنباتات الصغيرة ويمنعها من النمو، ويزعج الطيور والكائنات التي تعيش في تلك المناطق. وما يراه البعض أمراً بسيطاً أو تسلية عابرة، قد يترك ضرراً يستمر سنوات.
أما الكتابة على الصخور أو حفر الأسماء على جذوع الأشجار، فهي ليست ذكرى جميلة كما يعتقد البعض، بل تشويه لمكان طبيعي يفترض أن يبقى جميلاً كما هو. الطبيعة لا تحتاج إلى بصماتنا، بل إلى احترامنا.
حين نقول إن الأردن بيتنا، فهذا ليس مجرد شعار جميل، بل مسؤولية يومية وسلوك حضاري. وكما نحافظ على نظافة منازلنا، يجب أن نحافظ على غاباتنا وأوديتنا وحدائقنا ومرافقنا العامة، لأنها جميعاً جزء من هذا البيت الكبير.
وكل مبلغ يُصرف على تنظيف المواقع الطبيعية أو معالجة الأضرار الناتجة عن هذه السلوكيات، كان يمكن أن يذهب إلى مشاريع تنموية وخدمات يحتاجها الجميع. لذلك فإن أبسط تصرف مسؤول من كل فرد يمكن أن يصنع فرقاً كبيراً.
الجهات الرسمية تقوم بواجبها، لكن الوعي الشخصي يبقى الأساس. وفي كل رحلة أو نزهة، لنجعل شعارنا واضحاً: اترك المكان أجمل مما كان.
استمتعوا بربيع الأردن، تنفسوا هواءه النقي، وتأملوا جماله، لكن تذكروا دائماً أن هذا الوطن أمانة في أعناقنا جميعاً.
فالأردن بيتنا... فلنحافظ عليه نظيفاً وجميلاً...