facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




حين تُستباح الكلمات: تحذير دولة فيصل الفايز من خطاب الكراهية وخطره على النسيج الأردني


د. محمد خالد العزام
22-04-2026 09:53 PM

في زمنٍ صارت فيه الكلمةُ أسرعَ من الضوء، وأشدَّ وقعًا من الرصاص، يخرج التحذير من قلب الدولة ليقرع جرس الخطر: خطاب الكراهية لم يعد مجرد همساتٍ عابرة في زوايا النقاش، بل أصبح تيارًا جارفًا يتسلل عبر شاشات الهواتف، ويعيد تشكيل الوعي الجمعي ببطءٍ مقلق.

حين حذّر رئيس مجلس الأعيان دولة فيصل الفايز من تنامي هذا الخطاب لم يكن يصف ظاهرة عابرة، بل كان يقرأ ملامح أزمة تتسلل إلى عمق الروح الأردنية.

فوطننا الأردن الذي طالما شُبّه بنسيجٍ متماسكٍ من خيوطٍ متعددة، كل خيطٍ فيه يروي حكاية انتماء، يقف اليوم أمام اختبارٍ جديد: هل تبقى هذه الخيوط متشابكة بقوة المحبة، أم تبدأ بالاهتراء تحت ضغط الكلمات المسمومة؟

فالكراهية حين تُزرع في اللغة، تنمو في القلوب، وتتحول من مجرد رأيٍ إلى موقف، ومن موقفٍ إلى سلوك، ومن سلوكٍ إلى شقوقٍ في جدار الوحدة الوطنية.
ومما لا شك فيه أن وسائل التواصل الاجتماعي، التي وُلدت لتقريب المسافات، تحوّلت في بعض الأحيان إلى ساحات صراعٍ مفتوحة، حيث تُطلق الكلمات بلا ضابط، وتُستهلك القيم في سوق الجدل الرخيص. هناك، تختلط الحقيقة بالإشاعة، والرأي بالتحريض، والنقد بالتجريح، حتى يغدو الصوت العاقل غريبًا وسط ضجيجٍ لا يهدأ.

وفي هذا الفضاء الواسع ، لا يحتاج خطاب الكراهية إلى أكثر من لحظةٍ ليشتعل، لكنه يحتاج إلى سنواتٍ ليُطفأ.

تحذير دولة الفايز لا يقف عند حدود التشخيص، بل يحمل في طياته دعوةً صريحةً لاستعادة البوصلة الأخلاقية.

فالمجتمع الذي يسمح للكراهية أن تتسلل إلى لغته اليومية، إنما يفتح الباب أمام تصدّعٍ داخلي قد لا تُجدي معه الحلول المتأخرة.

إن أخطر ما في هذا الخطاب أنه لا يعلن نفسه صراحة، بل يتخفّى أحيانًا بثوب المزاح، أو تحت شعار الحرية، أو في قالب النقد، بينما هو في جوهره يفتك بأسس الاحترام والتعايش في وطننا.

إن النسيج الاجتماعي الأردني ليس مجرد تعبيرٍ إنشائي يكتب ، بل هو حصيلة تاريخٍ طويل من التعايش والتكافل، من الوقوف معًا في وجه التحديات التي عاناها أبناء الوطن قبل استقلاله وبعده إلى وقتنا الحاضر، ومن تحويل التنوع إلى مصدر قوة.
هذا النسيج لا يُمزّق بضربةٍ واحدة، بل يتآكل تدريجيًا، كلما سمحنا لكلمةٍ جارحة أن تمر دون مساءلة، أو لفكرةٍ متطرفة أن تجد لها منبرًا بلا مقاومة.

وفي مواجهة هذا الخطر، لا يكفي أن نُدين، بل يجب أن نُحصّن.
فالمعركة ليست قانونية فقط، بل ثقافية وأخلاقية بالدرجة الأولى. تبدأ من الأسرة، حيث تُغرس قيم الاحترام، وتمر بالمدرسة، حيث يُبنى الوعي، وتصل إلى الإعلام، حيث تُصاغ الرسائل، ولا تنتهي عند المستخدم الفرد الذي بات اليوم صانعًا للرأي العام لا مجرد متلقٍ له.

لقد وضع دولة فيصل الفايز إصبعه على الجرح، لكن العلاج مسؤولية جماعية.

فإما أن نحمي لغتنا من الانزلاق إلى مستنقع الكراهية أو نتركها تقودنا إلى واقعٍ تُصبح فيه الفرقة أمرًا عاديًا، والتنافر سمةً يومية ، وبين هذا وذاك، يبقى الخيار بيد مجتمعٍ عرف دائمًا كيف يحمي نفسه… فهل يفعلها مرةً أخرى؟

وفي ختام المشهد، يبرز وعي دولة فيصل الفايز بوصفه قراءةً مبكرةً لما قد تؤول إليه الأمور إن تُركت بلا ضبط. فالرجل لا يكتفي بإطلاق التحذيرات، بل يستشرف ما وراء الكلمات من تداعياتٍ تمسّ استقرار المجتمع ووحدته. إن إدراكه لخطورة خطاب الكراهية يعكس فهمًا عميقًا لطبيعة المرحلة، حيث لم تعد التهديدات تُقاس بما يُرى فقط، بل بما يُقال ويُتداول. ومن هنا، فإن صوته لا يأتي كتنبيهٍ عابر، بل كنداء مسؤول يدعو إلى حماية الوعي قبل أن تضيع البوصلة، وإلى صون الكلمة قبل أن تتحول إلى أداة هدمٍ بدل أن تبقى جسرًا للتلاقي.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :