facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




قراءه محافظة في بيان عمان الصادر عن حزب المحافظين


د. بركات النمر العبادي
25-04-2026 10:17 AM

هذا البيان لا يمكن قراءته بوصفه مجرد موقف سياسي عابر؛ بل هو نصّ يحاول أن يؤسس لرؤية وجوديّة للدولة الاردنبة ، حيث تتحول “السيادة” من مفهوم قانوني إلى قيمة شبه ميتافيزيقيّة تُوضع خارج دائرة الجدل. فحين يقول البيان إن “الاجتهاد في معرض كرامة الوطن خيانة”، فهو لا يكتفي برسم حدود السياسة ، بل يرسم حدود التفكير ذاته ، ويضع “الوطن” في مرتبة المعيار المطلق الذي تُقاس عليه الأخلاق والشرعيّة معاً. هنا يتجلّى جوهر الفكر المحافظ في صيغته الحديثة : تحويل الثوابت إلى نقاط ارتكاز صلبة في عالم مضطرب ، لكن مع مخاطرة كامنة تتمثل في تضييق مساحة التعدد والتأويل.

في بنية البيان ، نلحظ تزاوجاً بين ثلاث مرجعيات : الدولة (السيادة) ، الرمز (العرش) ، والقوة (الجيش) ، هذه الثلاثية ليست عفوية ، بل تعكس تصوراً محافظاً للدولة باعتبارها كياناً أخلاقياً قبل أن تكون جهازاً إدارياً ، فالدولة هنا ليست مجرد عقد اجتماعي ، بل “حامل معنى” يعلو على الأفراد والجماعات ، وهذا يفسر اللغة الحاسمة التي تميل إلى القطع لا النقاش ، وإلى اليقين لا الاحتمال.

ان قراءة “بيان عمّان” بتأنٍ ، فإننا لا نكون أمام نصٍّ يتوزّع على موضوعات متفرقة بقدر ما نحن أمام محاولة لصياغة “رؤية كلية” للدولة والمجتمع، تُبنى على طبقات متداخلة : طبقة سيادية ، وأخرى قومية ، وثالثة اجتماعية ، ورابعة تنظيمية-سياسية ، وهذه الطبقات لا تُطرح بشكل منفصل ، بل تتشابك لتنتج خطاباً محافظاً حديثاً يسعى إلى الإمساك بخيوط اللحظة الأردنية بكل تعقيداتها.

في طبقته الأولى، يؤسس البيان لفكرة السيادة بوصفها جوهر الوجود السياسي ، لكنه لا يقدّمها كمفهوم قانوني محض ، بل كقيمة عليا تتجاوز النقاش ، حيث تتحول الدولة إلى كيان معياري يُفترض به أن يُحاط بهالة من “التحصين الأخلاقي”، ومن هنا تأتي اللغة القطعية التي ترفض تحويل كرامة الوطن إلى مجال للاجتهاد ، هذه الصياغة تعبّر عن قلق عميق من سيولة المعايير في الإقليم ، وكأن البيان يحاول تثبيت “مركز صلب” في عالم يتآكل فيه مفهوم الدولة ذاته.

ثم ينتقل البيان إلى الدائرة القومية ، حيث تتسع الهوية من حدود الدولة إلى فضاء عربي أرحب ، الإدانة للاعتداءات على دول الخليج ، والتحذير من الجرائم الصهيونية ، والإشارة إلى التوترات الإقليمية ، كلها تعكس وعياً بأن الأمن الوطني لم يعد شأناً داخليا ، لكن اللافت هنا أن هذا الامتداد القومي لا يأتي على حساب الدولة الوطنية ، بل يُعاد احتواؤه داخلها ، بحيث تبقى “الأردنية” هي الإطار الناظم ، لا الذائب ، هذا التوازن بين القومي والوطني هو أحد أبرز ملامح المحافظة الأردنية حين تحاول تحديث ذاتها دون التفريط بجذورها.

وفي الملف الفلسطيني ، يبلغ البيان ذروته الأخلاقية ؛ إذ يربط بين رفض قانون إعدام الأسرى ، وحق المقاومة ، والوصاية الهاشمية ، هنا تتكثف ثلاثة مستويات : القانوني (رفض التشريع الإسرائيلي) ، النضالي (إقرار حق المقاومة)، والرمزي (الوصاية الهاشمية). هذا التثليث يمنح الموقف عمقاً ، لكنه أيضاً يحمّله مسؤولية : إذ لا يكفي الجمع بين هذه المستويات نظرياً ، بل يتطلب ذلك وضوحاً في كيفية ترجمتها سياسياً ، وهو ما يظل مفتوحاً في النص.

أما في البعد الداخلي، فيتحول الخطاب من “حراسة السيادة” إلى “حراسة التماسك الاجتماعي”. الحديث عن الضمان الاجتماعي، والتحذير من الفقر الذي يلامس حدود الجوع، يكشف إدراكاً بأن الشرعية السياسية لا تُصان فقط بالشعارات الكبرى، بل بقدرة الدولة على حماية الحد الأدنى من الكرامة المعيشية. هنا يقترب البيان من مفهوم “المحافظة الاجتماعية”، التي ترى في العدالة المحدودة شرطاً للاستقرار، لا ترفاً يمكن تأجيله.

وفي السياق ذاته ، تبرز مسألة الأطراف (الجنوب والشمال) كاعتراف ضمني بوجود اختلال في توزيع التنمية والاهتمام السياسي ، وهذا الاعتراف مهم فلسفياً ، لأنه يُخرج الخطاب من مركزية العاصمة إلى تعددية المكان ، ويُحمّل الدولة مسؤولية إعادة وصل ما انقطع بين المركز والهامش.

وعندما يصل البيان إلى الحقل السياسي-الحزبي، تتضح محاولة تنظيم الحياة السياسية ضمن سقف مزدوج : الانفتاح من جهة ، والانضباط من جهة أخرى ، الترحيب بالحوار، ورفض تقييد حق الاقتراع ، يقابله التشديد على مرجعية واحدة هي مؤسسة العرش ، ورفض “الخطاب الموازي للدولة”. هذه الازدواجية تعكس جوهر المأزق المحافظ الحديث : كيف يمكن بناء تعددية سياسية حقيقية دون أن تتحول إلى تعددية في المرجعيات ؟ وكيف يمكن ضبط المجال السياسي دون إفراغه من حيويته ؟

وفي دعوته لتوحيد خطاب “أحزاب الموالاة”، يكشف البيان عن بعد تنظيمي عميق : فهو لا يرى التعدد الحزبي قيمة بذاته ، بل أداة ينبغي أن تعمل ضمن انسجام نسبي ، هذه الرؤية تحمل نزعة “تنسيقية” للحياة السياسية ، أقرب إلى فكرة الكتلة الوطنية المنضبطة منها إلى السوق السياسي المفتوح ، وهي رؤية قد تعزز الاستقرار، لكنها تطرح سؤالاً حول حدود التنافس الحقيقي.

لغوياً وفكرياً ، يبقى البيان مشدوداً بين نبرتين : نبرة حازمة تصل حد الإقصاء (كما في الحديث عن الأصوات النشاز) ، وأخرى انفتاحية تدعو للحوار والشراكة ، هذا التوتر ليس عرضياً ، بل يعكس صراعاً داخلياً في بنية الخطاب ذاته بين الرغبة في الحسم والخشية من التفكك.

في المحصلة، “بيان عمّان” ليس مجرد بيان سياسي ، بل محاولة لبناء “عقيدة محافظة أردنية معاصرة” تتكئ على ثلاث ركائز: قداسة الدولة، مركزية العرش، وضرورة التماسك الاجتماعي . لكنه ، في الوقت ذاته ، يقف على حافة أسئلة كبرى:

هل يمكن تثبيت المعنى دون تجميد السياسة؟

وهل يمكن صون الوحدة دون تقييد الاختلاف؟

وهل تستطيع المحافظة أن تكون مشروعاً للمستقبل ، لا مجرد ردّ فعل على أزمات الحاضر؟

عند هذه الأسئلة ، يتحول البيان من نصٍّ مكتمل إلى مشروع مفتوح ، تتحدد قيمته الحقيقية بقدرته على الإجابة عنها في الممارسة ، لا في اللغة وحدها.

غير أن المفارقة الفلسفية تظهر حين ينتقل البيان من هذا الصرامة في تعريف “الوطن” إلى مساحة السياسة العملية ؛ إذ يدعو إلى الحوار حول قانون الإدارة المحلية ، ويرحب بالتعدد الحزبي، ويشدد على عدم مصادرة حق الاقتراع ، هنا يبرز التوتر الكلاسيكي في الفكر المحافظ الحديث: كيف يمكن الجمع بين “ثوابت لا تقبل الاجتهاد” وبين “حياة سياسية تقوم على الاختلاف”؟ هذه المفارقة ليست ضعفاً بقدر ما هي سمة بنيوية في أي مشروع محافظ يسعى للتكيّف مع متطلبات الدولة الحديثة.

أما في الشق الخارجي ، فالبيان يعكس وعياً مزدوجاً : وعي بالتهديدات الإقليمية (الصهيونية ، والتوترات مع إيران) ، ووعي بضرورة الفعل العربي المشترك ، لكنه ، فلسفياً ، لا يقدّم تصوراً كاملاً لكيفية الانتقال من الإدانة إلى الفعل ، إنه يقف عند حدود “الأخلاق السياسية” دون أن يخوض عميقاً في “أدوات القوة”، وكأن الخطاب هنا ما يزال أسير الفجوة العربية التقليدية بين الموقف والقدرة.

وفي مقطع الضمان الاجتماعي والأوضاع المعيشية ، يتبدّى جانب آخر مهم : محاولة إعادة تعريف المحافظة لا كحارس للجمود ، بل كحارس للتوازن الاجتماعي ، فالدعوة لتأجيل التعديلات استجابةً للرفض الشعبي ، والتحذير من الجوع في الأطراف ، يشيران إلى نزعة “محافظة اجتماعية” تعي أن الاستقرار السياسي لا يقوم دون عدالة حدّية على الأقل ، هذه نقطة قوة في البيان ، لأنها تخرجه من نمط المحافظة النخبوية إلى أفق أكثر التصاقاً بالناس.

ورغم عمق البيان ، يخشى ان يقع في في مرمى النقد حين يستخدم تعبيرات مثل “اجتثاث الأصوات النشاز”. فهذه اللغة، وإن كانت مفهومة في سياق الحشد السياسي، الا انها تتعارض مع ادعاء بناء حياة حزبية صحية. ، والمحافظة حتى في أكثر صيغها محافظة ، لم تعد تقبل بفكرة “الصوت الواحد”، بل تسعى إلى ضبط الاختلاف لا إلغائه. وهنا تحديداً يكمن التحدي: ومما يقتضي التنويه ان المقصود بالعباره الى ان الخطاب المحافظ يسعى ليكون إطاراً ناظماً للتعدد ، لا بديلاً عنه ؟ و ان العباره وردة فسياق الحشد السياسي ، و تتعلق بالممارسات التي تخرج عن الاطر الدستورية .

في جوهره ، يعكس “بيان عمّان” محاولة لصياغة محافظة أردنية جديدة : محافظة لا تكتفي بحراسة الماضي ، بل تسعى لإعادة تأويله في ضوء أزمات الحاضر، هي محافظة تريد أن تجمع بين الصلابة في الثوابت والمرونة في الأدوات ، بين الولاء للدولة والانفتاح الحذر على التعدد ، وبين الخطاب القيمي والواقع الاجتماعي الضاغط.

غير أن نجاح هذا المشروع مرهون بقدرته على حل معادلته الأصعب : كيف يحافظ على “قداسة الدولة” دون أن يحوّلها إلى فكرة مغلقة ، وكيف يدافع عن “الوحدة الوطنية” دون أن يخشى الاختلاف ، وكيف يرفع سقف الخطاب الأخلاقي دون أن ينفصل عن شروط الفعل الواقعي ، عند هذه النقطة تحديداً ، ينتقل البيان من كونه نصاً سياسياً إلى كونه مشروعاً فكرياً قيد الاختبار.
حمى الله الاردن من كل كريهة

* حزب المحافظين الاردني - مساعد الامين العام للتثقيف الحزبي





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :