facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




وزارة الطاقة .. عندما تُدار الدولة بمنطق السيادة لا منطق الإدارة


فيصل تايه
25-04-2026 10:19 AM

لم تكن زيارة وزارة الطاقة والثروة المعدنية، برفقة قامات من ملتقى النخبة_Elite، ولقاء معالي وزير الطاقة الدكتور صالح الخرابشة، حدثاً بروتوكولياً أو نشاطاً تواصلياً بقدر ما كانت نافذة على سؤال يتجاوز حدود القطاع نفسه إلى بنية الدولة ذاتها: كيف تُدار دولة حين يصبح الاستقرار عملية تُدار يومياً تحت ضغط دائم؟

السؤال لم يُطرح بصيغته المباشرة، لكنه كان حاضراً في كل تفصيل، في طريقة الحديث عن الإمدادات، وفي لغة الأرقام، وفي نبرة الهدوء التي تخفي خلفها إدراكاً دقيقاً بأن ملف الطاقة لم يعد ملفاً تقنياً يمكن عزله داخل حدود وزارة، بل تحول إلى أحد خطوط الدفاع الأولى في بنية الدولة ، فالأردن، في موقعه الجغرافي وفي محيطه الإقليمي يتعامل مع الطاقة كجزء من معادلة استقراره الاقتصادي ، وتُدار فيها الدولة بين ضغط الحاجة وكلفة البقاء.

ما يتكشف في العمق أن الطاقة أصبحت جزءاً من مفهوم السيادة التشغيلية للدولة، فلم تعد قطاعاً خدمياً بالمعنى التقليدي ، حيث يُقاس النجاح بقدرة المنظومة على تحقيق الكفاءة وبقدرتها على منع الانهيار في مواجهة التحديات لحظات الاختبار ، وفي هذا السياق، يصبح التخطيط أقرب إلى إدارة مخاطر مستمرة منه إلى رسم مسارات نمو مستقرة، وتتحول السياسة الطاقية من سؤال “ما الذي يمكن تحقيقه” إلى سؤال أكثر قسوة وواقعية: “ما الذي يجب منعه من السقوط”.

الأرقام في هذا السياق تفقد طابعها المحاسبي البحت، لتتحول إلى مؤشرات على كلفة الاستقرار ذاته ، فحين تُدار منظومة الكهرباء بكلفة تشغيل إضافية تُقدر بنحو ١, ٨ مليون دينار يومياً نتيجة الاعتماد على بدائل الوقود، وقد تصل الأعباء إلى نحو ٣ ملايين دينار يومياً، فإننا لا نكون أمام فاتورة طاقة تقليدية معتادة ، بل أمام تكلفة يومية لمنع انتقال التوتر والاضطراب إلى المجتمع ، وهذا ما يفسر الثبات في القرار: استمرار التزويد دون انقطاع، حتى حين ترتفع الكلفة إلى مستويات مرهقة، لأن الدولة هنا لا تتعامل مع الطاقة كملف اقتصادي مستقل، بل كأداة لمنع تحوّل الأزمة إلى ضغط اجتماعي شامل.

وفي هذا المستوى من الإدارة، لا تُحل الأزمات بقدر ما تُحتوى داخل بنية الدولة ، فالصدمات لا تُدار بهدف إزالتها، بل بهدف امتصاصها ومنع انتقالها إلى الخارج الاجتماعي ، وهذا ليس خياراً تقنياً، بل خيار سيادي يعكس أولوية واضحة: حماية الاستقرار العام حتى لو كان ذلك على حساب تضخم الكلفة التشغيلية ، ومن هنا تتشكل فلسفة تشغيل تقوم على ما يمكن تسميته بـ“الهشاشة المضبوطة”، حيث تُدار المنظومة ضمن حدود محسوبة من الاعتماد على الاستيراد، ومخزون استراتيجي يكفي لفترات محدودة، وتدفق مستمر للغاز المسال عبر العقبة، وكلها أدوات لا تعكس استقلالاً كاملاً بقدر ما تعكس قدرة على إدارة الاحتمال لا إلغائه.

وفي قلب هذا التحول، يتغير تعريف أمن الطاقة نفسه ، فهو لم يعد يعني الاكتفاء الذاتي، لأن هذا المفهوم في سياق إقليمي مضطرب لم يعد واقعياً، بل أصبح يعني القدرة على تقليل التعرض للمخاطر ضمن شبكة معقدة من الاعتماد المتبادل ، والأردن هنا لا يقف خارج هذه الشبكة، بل داخلها، يتنقل بين موقع المتأثر والمُؤثِّر وفق توازنات لا تمنح استقراراً دائماً لأي طرف.

وانطلاقاً من هذا التموضع ، لا يقتصر دور الأردن على التكيّف مع معادلات الطاقة الإقليمية، بل يمتد ليشمل المساهمة فيها، من خلال مشاريع الربط الكهربائي وإمكانية تزويد دول شقيقة مثل سوريا ولبنان بالطاقة، بما يعكس تحوّلاً تدريجياً من موقع المتأثر إلى موقع الفاعل ضمن منظومة إقليمية أكثر تعقيداً.

ومن زاوية أخرى لا يمكن قراءة الطاقة المتجددة بوصفها مجرد خيار بيئي أو تنموي، بل بوصفها تحوّلاً في فلسفة الدولة الطاقية نفسها ، فحين تتجاوز القدرة الإنتاجية من المصادر المتجددة حاجز ٢٠٠٠ ميغاواط، فإن الأمر لا يتعلق باستقلال طاقي كامل، بل بإعادة توزيع المخاطر داخل المنظومة، وتقليل حدة التبعية، ورفع قدرة النظام على امتصاص الصدمات دون انهيار.

ولم يعد التحدي مقتصراً على جانب الإنتاج، بل بات مرتبطاً بشكل متزايد بتغير أنماط الاستهلاك اليومي، مع اتساع الاعتماد على الأجهزة الكهربائية والمركبات الكهربائية، وما يرافق ذلك من ارتفاع مستمر في الأحمال على الشبكة الوطنية.

والأكثر دلالة أن الطاقة لم تعد ملفاً منفصلاً يمكن عزله داخل وزارة أو قطاع، بل أصبحت نقطة تقاطع بين الاقتصاد والمياه والصناعة والاستثمار والاستقرار الاجتماعي ، وأي خلل فيها لا يبقى داخل حدودها الفنية، بل ينتقل بسرعة إلى بقية بنية الدولة، ما يجعلها ملفاً سيادياً بامتياز .

كما يظل ملف الفاقد الكهربائي أحد أبرز تحديات الكفاءة التشغيلية، إذ تشير التقديرات إلى وصوله إلى نحو ١٦% بما يعادل ما يقارب ٢٦٠ مليون دينار سنوياً، وهو ما يجعل خفضه أحد أهم مسارات الإصلاح في قطاع الطاقة.

في النتيجة ، ما يتشكل ليس نموذج أزمة مفتوحة، ولا نموذج استقرار مكتمل، بل نموذج إدارة يعمل داخل حدود الممكن، حيث تُدار الدولة بلا فائض كبير من الخيارات، لكنها تمتلك قدرة على ضبط التوازنات بما يمنع تحول الضغط إلى انهيار ، وهذا في جوهره هو التعريف الأعمق للحالة: إدارة استقرار داخل بيئة غير مستقرة.

وفي هذا السياق، تبرز أهمية التحول نحو أدوات أكثر مرونة في إدارة الطلب، مثل التعرفة المرتبطة بالزمن، التي تهدف إلى إعادة توزيع الاستهلاك على ساعات مختلفة، بما يخفف الضغط عن الشبكة ويرفع كفاءة الاستخدام.

ويبقى السؤال الذي لا يُطرح عادة بصوت عالٍ، لكنه حاضر في خلفية كل تفصيل: هل يمكن تحويل إدارة المخاطر المستمرة إلى استقرار طويل الأمد، أم أن طبيعة الجغرافيا والإقليم ستبقي الدولة داخل حالة إدارة دائمة للتوازن، لا الوصول إلى حالة إغلاق نهائي للأزمات؟

في النهاية، تبدو المعادلة أقرب إلى خيارين متداخلين لا ثالث لهما: إما استقرار يُصنع داخل الضغط، أو ضغط يصبح هو الشكل العملي للاستقرار.
مع تحياتي





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :