facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




إذاعاتنا بين ضجيج اللحظة وغياب المعنى


د.عدلي قندح
25-04-2026 10:51 AM

لم يعد مستغربًا أن يشعر المستمع الأردني—ومعه العربي والضيف الأجنبي—بفجوة واضحة بين ما يتوقعه من الإذاعة كمنبر معرفي وثقافي، وبين ما يتلقاه فعليًا من محتوى يومي يغلب عليه الطابع السطحي والاستهلاكي. هذه الفجوة لا تتعلق بالإمكانات بقدر ما تعكس أزمة في الرؤية والرسالة، حيث تحوّلت كثير من البرامج إلى مجرد أدوات لملء الوقت، لا لصناعة وعي أو تقديم قيمة مضافة.

عند الاستماع إلى عدد كبير من البرامج الصباحية في الإذاعات المحلية، يتكرر المشهد ذاته: حديث مطوّل عن أزمة سير هنا، أو حفرة هناك، أو شكوى من ماسورة مياه مكسورة، مع إعادة تدوير نفس القضايا يومًا بعد يوم، دون تعميق، أو تحليل، أو ربط بالسياق الأوسع للسياسات العامة أو إدارة المدن. هذه الموضوعات، على أهميتها اليومية، تُطرح بطريقة تجزيئية آنية، وكأن وظيفة الإعلام هي نقل الانزعاج فقط، لا تفسير أسبابه أو مساءلة جذوره أو تقديم حلول واقعية مبنية على فهم مؤسسي.

في المقابل، عندما نستمع إلى إذاعات دولية مثل BBC سابقا أو Radio Monte Carlo (مونتي كارلو الدولية)، نلمس اختلافًا جذريًا في فلسفة المحتوى. البرامج الصباحية هناك لا تكتفي بعرض الخبر، بل تُعيد تفكيكه ضمن سياق سياسي واقتصادي وثقافي أوسع، وتستضيف خبراء ومحللين، وتربط المحلي بالعالمي، وتطرح أسئلة تتجاوز السطح إلى العمق. يتم تناول قضايا مثل التحولات الاقتصادية، الذكاء الاصطناعي، التغير المناخي، الحوكمة، الثقافة، وأنماط الحياة، بأسلوب يجذب المستمع ويثري معرفته في آن واحد.

هذا التباين لا يمكن تفسيره فقط بفارق الموارد أو التمويل، بل يرتبط بجملة من الأسباب البنيوية التي ساهمت في تراجع مستوى المحتوى الإذاعي المحلي.

أول هذه الأسباب هو غياب الرؤية التحريرية الواضحة. كثير من الإذاعات لا تملك هوية فكرية أو استراتيجية محتوى، بل تتحرك وفق ردود الفعل ومتطلبات الإعلان، مما يجعلها أسيرة للموضوعات السهلة والسريعة الاستهلاك. ثانيًا، هناك ضعف في الاستثمار في الكوادر الإعلامية، سواء من حيث التدريب أو التخصص، إذ لم يعد المذيع مجرد ناقل صوت، بل صانع محتوى يحتاج إلى خلفية معرفية عميقة وقدرة على إدارة الحوار وطرح الأسئلة الذكية.

ثالثًا، هيمنة منطق “الجمهور يريد ذلك”، وهو تبرير سهل لكنه مضلل. فالجمهور لا يُقاس فقط بما يستهلكه، بل بما يُعرض عليه أيضًا. الإعلام القوي لا ينحدر إلى أدنى ذائقة، بل يرتقي بها تدريجيًا. رابعًا، ضعف التكامل بين الإعلام ومراكز البحث والخبرات الأكاديمية، ما يحرم البرامج من العمق التحليلي ويجعلها تدور في فلك الانطباعات السريعة.

أما السبب الخامس، فهو تغليب البعد التجاري على الرسالة الإعلامية، حيث أصبحت الإذاعة في بعض الحالات منصة للإعلانات المقنّعة أو الترفيه الخفيف، بدل أن تكون مساحة للنقاش العام الجاد.

ولا يمكن إغفال انعكاس هذه الأزمة على المحتوى الغنائي الذي تبثه هذه الإذاعات، حيث تتكرر أغنيات تحمل مضامين سطحية أو سلبية، تتحدث عن الانتقام والعداء والعنف اللفظي، ما يعكس—ويعزز في الوقت ذاته—تراجع الذائقة الفنية العامة. فالإعلام هنا لا ينقل الثقافة فقط، بل يساهم في تشكيلها، سلبًا أو إيجابًا.

إن إعادة الاعتبار للإذاعات الأردنية لا تتطلب معجزات، بل تبدأ بإعادة تعريف دورها: من ناقل يومي للأحداث إلى منصة لصناعة الوعي. المطلوب هو تطوير محتوى متوازن يجمع بين الخدمة العامة والتحليل العميق، بين الترفيه الراقي والمعرفة، بين المحلي والعالمي. كما أن إدماج خبراء من مختلف المجالات، وتبني برامج نوعية تناقش قضايا الاقتصاد الرقمي، التعليم، الريادة، الثقافة، والتحديات الاجتماعية، يمكن أن يعيد ثقة المستمع.

ما أريد أن أقوله: أن الإذاعة مرآة لوعي المجتمع، فإذا بقيت هذه المرآة تعكس فقط الحفر في الطرقات، فإن المشكلة ليست في الطريق وحده، بل في زاوية الرؤية.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :