عبد الرؤوف الروابدة: فيلسوف السردية الأردنية وحارس الحكاية
د. محمد خالد العزام
25-04-2026 11:52 PM
في زمنٍ تتدافع فيه الأمم نحو المستقبل بخطًا متلاحقة، تبرز أهمية أن يكون للمرء جذور تضرب في أعماق التاريخ، وسردية تنبض بالحياة تروي حكاية الوطن. ومن قلب هذا المشهد، يطلّ علينا رجلُ دولةٍ أردني، خبر السياسة والإدارة من أوسع أبوابهما، واختار في الآونة الأخيرة أن يتوشح برداء الإصرار أكثر من ذي قبل، ليكون حارسًا لـ "سردية الأردن". إنه دولة عبد الرؤوف الروابدة، الذي غادر منصبه بوصفه رئيسا للوزراء، لكنه لن يغادر أبدًا موقع المسؤولية حين يكون شاهدًا على العصر، ونسّاجًا ماهرًا لخيوط الهوية الوطنية.
بعد مسيرة مهنية حافلة بالتجارب، قضاها الرجل المولود في إربد عام 1939 بين أروقة الوزارة ومجلسي النواب والأعيان، وجد نفسه أمام معركة من نوع آخر، معركة فكرية تليق بوجاهته وخبرته. في الآونة الأخيرة، وتحديدًا عبر سلسلة من الندوات والمحاضرات التي كثّف من حضورها بين عامَي 2025 و2026 ، راح الروابدة يغوص في أعماق التاريخ الأردني، محللًا مساراته، ومبرهنًا على أصالة الدولة ورسوخها. لم يعد الرجل مجرد سياسي متقاعد يروي ذكريات الماضي، بل تحول إلى ما يشبه "فيلسوف السردية الوطنية"، مؤمنًا بأن "التاريخ هو ذاكرة الوطن، وهو مصدر للاعتزاز الوطني والاستعداد للتضحية من أجل حماية أمنه واستقراره". وفي كل منبر اعتلاه، كان يحمل همًّا وجوديًا، متسائلًا بحزن نبيل: كيف لأمةٍ أن تمضي في دروب المستقبل، إن كانت ذاكرتها مثقلة بالغبار، وعرضة للتشويه بأيادٍ خفية؟
بين زخم المنصات الرقمية وعناوين الأخبار العابرة، اختار الروابدة أن يخوض غمار المعركة الأصعب: إعادة ضبط البوصلة نحو الجذور. من خلال محاضراته التي حملت عناوين مثل "السردية الأردنية في ظل التحولات الإقليمية" في منتدى الحموري الثقافي، و "سرديتنا التاريخية هويتنا الأردنية"، و"آراء في السردية الأردنية"، رسم خريطة طريق وطنية متكاملة. في هذه اللقاءات، لم يكن يخطب في الفراغ، بل كان يخاطب عقولًا تبحث عن منهل عذب صافٍ تتلقى منه الأفكار. وأكد، بلسان الحكيم المجرِّب، أن السردية الأردنية ليست خطابًا سياسيًا عابرًا؛ إنما هي مسارٌ تاريخيٌّ تراكميٌّ بدأ مع تأسيس الدولة واستقر في الوعي الجمعي. كلماته تلك لم تكن مجرد تصريحات؛ إنما كانت ضربات إزميل من يد نحات ماهر، تحاول أن تكشف عن تمثال الهوية الأردنية المدفون تحت ركام النسيان والتشويه.
في محاضراته، كان الروابدة يأخذ الحضور في رحلة ساحرة إلى عمق التاريخ، ليكتشفوا معه أن الأردن لم يكن يومًا مجرد صحراء عابرة أو ظل باهت على خارطة الشرق. لقد أعاد اكتشاف الأردن كجسر للقارات، وكـ"ممر حضاري وملتقى طرق" منذ فجر الحضارات السامية. تتبع الرجل جذور الكلمة، ذاكرًا أن اسم الأردن ورد أولًا على النهر الذي ينبع من جبل الشيخ، قبل أن يتحول ليكون اسمًا لأرضٍ وشعبٍ وحضارة متكاملة. يرى الروابدة أن هذه السردية تحمل في طياتها "رسالة ودورًا". لقد جاء تأسيس الإمارة ليخرج الأردن من إطار وعد بلفور، ليكون فيما بعد مستودعًا للثورة العربية الكبرى وحامل لوائها. كما يستعيد بتقديس بالغ الوصاية الهاشمية على المقدسات، تلك المسؤولية الدينية والتاريخية التي حملها الهاشميون منذ عام 1924، جاعلين من الأردن درعًا للقدس ومقدساتها.
لم يتوانَ الروابدة في كشف الخصوم، فهو يدرك، بذكاء السياسي العتيق، أن هناك من يسعى لهدم البيت من داخله. حذر من أن "أجندات خاصة حاولت تلويث تاريخ الأردن". وفي جرأة المقاتل الذي لا يخشى في الحق لومة لائم، أشار إلى وجود "تقصير واضح في بناء سردية وطنية أردنية متماسكة"، مرده الخجل الشديد من تهمة الإقليمية. بالنسبة له، الهوية الوطنية ليست مجرد أوراق ثبوتية، بل هي "الإطار الجامع لكل من يحمل الرقم الوطني". وفي موقف يتجرد من كل حسابات السياسة الضيقة، اختصر علاقة الأردن بفلسطين بعبارة تنم عن عمق استراتيجي وشعوري: "فلسطين ليست مجرد جارة للأردن بل هي جزء من قضيته الوطنية". إنها نظرة الرجل الذي يدرك أن "وحدة المصير" بين الشعبين ليست شعارًا، بل قدرًا جغرافيا وتاريخيًا ودمويًا مشتركًا.
في زمن بات فيه الشباب يتساءلون عن جدوى الانتماء، خاطبهم الروابدة بوصفه أبًا موجهًا. لم يناد بالانغلاق على الذات، بل قال إن "الكتابة الجادة للتاريخ وتثبيت الهوية لا يعنيان الانغلاق"، فهوية الأردن عربية أصيلة لا تنفصل عن محيطها. هو يدرك أن الدولة الأردنية، رغم محدودية مواردها الطبيعية، صنعت معجزة ببناء دولة مستقرة ومتينة، عبر الاستثمار في الإنسان، حيث "حوّل التعليم والصحة الكفاءات الأردنية إلى مورد استراتيجي". في كل جلسة حوارية، كان الروابدة يتحول إلى جسر حي بين جيل المؤسسين وجيل الشباب المتعطش للحقيقة. إذا كان الوطن رواية، فإن عبد الرؤوف الروابدة هو أحد أبرع رُواتها ومنقحيها ومنظريها في آن. إنه لا يبحث عن مجد شخصي، بل عن خلود الذاكرة الجمعية. وهكذا، يظل صوته الهادئ الواثق، في زمن الضجيج، أقوى من ألف صرخة، لأنه ببساطة يحمل معه رائحة الأرض، ونقاء السريرة، وقوة الحجة المغروسة في أعماق التاريخ.