facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الأكاديمية الأردنية للإدارة الحكومية .. بين جدل الشكل وحتمية التحول


فيصل تايه
26-04-2026 09:16 AM

في خضم النقاش الذي أُثير حول إنشاء الأكاديمية الأردنية للإدارة الحكومية، آثرت أن أعيد الكتابة في هذا الموضوع بعد الاطلاع على طيف واسع من الآراء ووجهات النظر، لا سيما تلك التي قدمتها سعادة النائب ديمة طهبوب، والتي عبرت عن مخاوف رقابية مشروعة، لكنها—في تقديري—انطلقت من زاوية تحليل جزئي لا يلامس عمق التحول الجاري في بنية الدولة الإدارية.

فالحاجة اليوم لم تعد تقتصر على المقارنة بين “مؤسسة قائمة” و”مؤسسة جديدة”، بل تفرض الانتقال إلى مستوى أعمق يتعلق بطبيعة التحول الذي تسعى الدولة إلى إحداثه في بنية الإدارة العامة ذاتها، بوصفه تحولاً في “نموذج الدولة الإداري” وليس مجرد تعديل في “هيكل مؤسسة تدريبية”.

وانطلاقاً من خبرتي العملية كمدرب في مجالات التنمية البشرية والإدارية، والقيادة الديمقراطية المتقدمة، ومن خلال الاحتكاك المباشر مع بيئات تدريبية متعددة داخل القطاع العام، فإنني أستطيع القول بثقة إن جوهر المسألة لا يتعلق بإلغاء معهد الإدارة العامة أو التقليل من تاريخه الممتد منذ ستينيات القرن الماضي، بل يتعلق بسؤال أكثر جوهرية وحسماً :
هل ما نحتاجه اليوم هو تحسين أداء أداة تدريبية قائمة، أم إعادة هندسة منظومة إنتاج الكفاءة داخل الدولة بما يواكب تحولات الذكاء المؤسسي وإدارة البيانات وصناعة القرار المبني على المعرفة؟

إن الإشكالية التي يواجهها القطاع العام في الأردن، كما في العديد من التجارب الدولية المتقدمة، لم تكن يوماً في غياب التدريب، بل في انفصال التدريب عن منظومة القرار والأداء ، فالمعهد، رغم تراكمه التاريخي، ظل يعمل ضمن نموذج تدريبي تقليدي يركز على نقل المعرفة، دون أن يصبح جزءاً عضوياً من منظومة الترقي الوظيفي، أو تقييم الأداء، أو صناعة القرار العام ، وهنا تحديداً ، لا نتحدث عن ضعف برنامج أو قصور إدارة، بل عن حدود نموذج كامل لم يعد قادراً على إنتاج أثر مؤسسي في دولة تتجه نحو التحول الرقمي، والحوكمة الذكية، وإدارة البيانات.

ومن هذا المنظور، فإن القول بأن مهام الأكاديمية يمكن إدماجها داخل المعهد عبر التطوير التدريجي فقط، يتجاهل قاعدة إدارية مستقرة في علم التنظيم: أن البنى المؤسسية الراسخة لا تعيد إنتاج نفسها فقط، بل تعيد إنتاج ثقافة عملها أيضاً، وأن التغيير داخلها غالباً ما يُمتص ويُعاد تشكيله بما يتناسب مع النموذج القائم.

وهنا لا يصبح السؤال: هل نطور المعهد؟
بل: هل يسمح النموذج القديم أصلاً بإنتاج التحول المطلوب؟
ولهذا، فإن الانتقال إلى نموذج الأكاديمية لا يُفهم كازدواجية مؤسسية، بل كتحول وظيفي عميق في فلسفة الدولة تجاه رأس المال البشري: من “مركز تدريب حكومي” إلى “منصة وطنية لإدارة الكفاءة الحكومية وربطها بالمسار الوظيفي وصناعة القرار” ، حيث ان هذا التحول ليس نظرياً ، بل هو ما تبنته تجارب دولية ناجحة، حيث لم يعد التدريب وظيفة مساندة، بل أصبح جزءاً من البنية الصلبة للدولة في إدارة الأداء العام وصناعة السياسات.

أما فيما يتعلق بما أُثير حول “الكلفة”، وهو سؤال مشروع رقابياً ، فإن اختزال النقاش في كلفة إنشاء مؤسسة مقابل تطوير أخرى، يُغفل مفهوماً أكثر عمقاً في الإدارة الحديثة، وهو “كلفة عدم التغيير” ، فالدول لا تخسر فقط ما تنفقه، بل تخسر أكثر في ما تعجز عن إنجازه ، لذلك فان بطء القرار، ضعف الإنتاجية، تراجع جودة الخدمات، وتآكل الثقة المؤسسية—كلها كلف غير مرئية، لكنها أشد أثراً من أي كلفة تأسيسية مباشرة ، وبهذا المعنى، فإن الاستثمار في الأكاديمية ليس كلفة، بل إغلاق فجوة مزمنة في إنتاج الكفاءة داخل الدولة.

وفيما يتعلق بغياب التقييم المؤسسي الشامل للمعهد، فإن القراءة الأكثر عمقاً لا تراه خللاً إجرائياً بقدر ما تعكس إدراكاً بأن الإشكال لم يعد في مؤسسة بعينها، بل في النموذج الذي تفصل فيه الدولة بين التدريب والأثر ، وهو فصل أثبت محدوديته، وجعل من أي تطوير داخلي—مهما كان جاداً—محكومًا بسقف منخفض من التأثير.

أما التخوف من ازدواجية المهام، فهو تخوف مفهوم من زاوية الشكل المؤسسي، لكنه يتراجع عندما ندرك أن الفرق الجوهري ليس في “ماذا تفعل” كل جهة، بل في “كيف تفعل” و”بماذا ترتبط” ، فالأكاديمية لا تُصمم كبديل تدريبي، بل كأداة ربط سيادية بين التدريب والترقية، وبين بناء القدرات وصناعة القرار، وبين الأداء وإدارة المواهب الحكومية.

وفيما يخص مصير الكوادر والخبرات، فإن أي إصلاح مؤسسي ناضج لا يقوم على الإقصاء، بل على إعادة توظيف التراكم المعرفي داخل نموذج أكثر تطوراً ، فالقيمة الحقيقية ليست في الإبقاء على الهياكل، بل في الحفاظ على الخبرة وتحريرها من القيود التي تحد من أثرها.

أما القول إن المشكلة في نظام الموارد البشرية لا في المؤسسة، فهو تشخيص دقيق، لكنه يقود إلى نتيجة أكثر حسماً:
أن الأكاديمية ليست بديلاً عن إصلاح النظام، بل إحدى أدواته البنيوية، إذا ما تم ربطها بشكل عضوي بهيئة الخدمة والإدارة العامة، ضمن منظومة متكاملة لإدارة المواهب الحكومية، بحيث يصبح التدريب جزءاً من دورة إنتاج القرار، لا نشاطاً موازياً لها.

وفي النتيجة، فإن النقاش الحقيقي لا ينبغي أن يبقى محصوراً في سؤال: لماذا الأكاديمية بدل المعهد؟
بل يجب أن يرتقي إلى سؤال أكثر استراتيجية:
هل نحن أمام إعادة تعريف لوظيفة الدولة الإدارية نفسها في القرن الحادي والعشرين؟

في تقديري، أن الدول لا تُقاس بعدد مؤسساتها، بل بقدرتها على تحويل المعرفة إلى أثر، ولا بكلفة التأسيس، بل بكلفة الجمود، ولا بتاريخ مؤسساتها، بل بقدرتها على إعادة إنتاج نفسها باستمرار.

ومن هنا، فإن الأكاديمية ليست بديلاً لمؤسسة قائمة، بل اختبار حقيقي لقدرة الدولة على الانتقال من إدارة التدريب إلى إدارة الكفاءة، ومن تحسين الأدوات إلى إعادة تعريف الوظيفة العامة ذاتها.

وإذا ما أُحسن تصميمها، وربطها بمنظومة القرار، وتحصينها بمنهجيات قياس أثر صارمة، فقد لا تكون مجرد مؤسسة جديدة، بل نقطة ارتكاز تاريخية في إعادة بناء العقل الإداري للدولة الأردنية.
وهنا لا يعود السؤال:
هل أنشأنا مؤسسة جديدة؟
بل السؤال الأهم:
هل بدأنا فعلياً بإعادة تعريف معنى الإدارة في الدولة؟

والله الموفق





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :