حِينَ يَكُونُ الحِرْصُ عَلَى هَيْبَةِ الدَّوْلَةِ غِطَاءً أَنِيقًا لِلْعَجْزِ
د. موسى الرحامنة
26-04-2026 09:48 AM
ليست أزمة الأردن في نقص الكفاءات، ولا في شح العقول القادرة على الإدارة، بل في نمط إداري مأزوم، يُحسن تبرير التراجع أكثر مما يُجيد صناعة القرار ؛ نمط يُربك المفاهيم، فيخلط بين الهيبة والجمود، وبين الحذر والعجز ، حتى غدت الدولة، في لحظات حاسمة، كأنها تتقهقر أمام الفرص لا أمام التهديدات.
في الدول التي تُدرك معنى السلطة، تُقاس هيبة الدولة بقدرتها على الحسم لصالح مواطنيها، لا بقدرتها على التمنع عنهم؛ هناك تُفتح الأبواب حين تضيق السبل، وتُصاح الحلول من قلب الأزمات. أما حين تتحول الإدارة إلى جهاز يرتاب من المبادرة، ويرى في كل فرصة شبهة، فإن الدولة لا تحمي نفسها، بل تنقض أساس الثقة بينها وبين الناس.
القضية هنا ليست تنظيرا ، بل واقعة صريحة كاشفة، تختزل خللا عميقا في بنية التفكير الإداري. شباب أنهكهم الانتظار، وأضناهم الفراغ، لجؤوا إلى اعتصام سلمي، لا يُهددون فيه نظامًا، ولا يُساومون سلطة، بل يطلبون حقا أوليًا : العمل. وفي لحظة نادرة من وضوح الإرادة، تحرّك وزير ، واتَّخِذَ قرار مبدئي بتأمين عشرين فرصة عمل لهم عبر مدير المناطق التنموية؛ قرار متواضع في حجمه، كبير في دلالته: الدولة قادرة على الفعل.
لكن ما تلا ذلك كشف ما هو أخطر من البطالة نفسها. ففي اليوم التالي، وبينما كان الوزير في طريقه لافتتاح مشروع استثماري لمستثمر أجنبي في ذات المنطقة ، أعلن عزمه زيارة المعتصمين ليقول لهم ببساطة: وُجد الحل. لم يكن في الأمر استعراض ولا شعبوية، بل فعل إداري بديهي، يربط القرار بالناس، ويُحوّل الوعد إلى واقع.
هنا تدخلت الدولة العميقة" بصيغتها المشبعة بالخوف، والحرص المفرط الخالي من المنطق؛ فقيل للوزير إن ذهابه سيفهم خضوعًا للضغط، وإن تنفيذ الاتفاق قد يضع الحكومة تحت رحمة" هؤلاء العاطلين، وأن هيبة الدولة ستتأكل إن ظهرت بمظهر المستجيب. فأي هيبة تلك التي ترتجف أمام عشرين وظيفة؟ وأي دولة تلك التي ترى في إنصاف مواطنيها تهديدا لسلطتها ؟
استجاب الوزير لهذه الهواجس، وتراجع؛ فسقط القرار ، وتبخّرت الوظائف، وعاد الشباب إلى خيامهم، لا بوصفهم عاطلين عن العمل فحسب، بل بوصفهم شهودًا على دولة وعدت ثم خافت من وعدها.
المشكلة ليست في وزير تراجع، بل في منظومة أقنعته أن التراجع هو القرار الأكثر أمانًا"؛ في عقل إداري يظن أن كلفة الفعل أعلى من كلفة الامتناع، ولو كان ثمن ذلك سحق ما تبقى من ثقة الناس.
هذه ليست حادثة معزولة، بل نموذج لدولة تفرغ نفسها من أدواتها حين تضع الخوف في موقع القرار ؛ نموذج الإدارة ترى في المواطن عبئًا يُحتوى لا صاحب حق يُنصَفُ؛ نموذج لعقل يُقدم الصورة على الحقيقة، والمظهر على النتيجة.
غير أن الدول لا تُدار بالصور ، بل بالنتائج. والنتيجة هنا فاضحة: عشرون فرصة عمل ضاعت، لا لنقص الموارد، بل لفائض الخوف؛ ضاعت لأن القرار لم يكن في يد من اتخذه، بل في يد من خشي تبعاته المتخيلة؛ ضاعت لأن مفهوم الهيبة اختزل إلى انكماش، لا إلى ثقة.
إن الهيئة الحقيقية لا تُبنى بالامتناع، بل بالفعل؛ ولا تتجلّى في رفض الحلول، بل في فرضها؛ ولا تُقاس بمدى صمت الدولة، بل بقدرتها على أن تقول "نعم" حين يكون ذلك في مصلحة الناس. أما الهيبة التي تُتَّخِذُ ذريعة لحرمان المواطنين من حقوقهم، فليست هيبة، بل غطاء أنيق للعجز.
ما جرى ليس إخفاقا إداريًا عابرا ، بل جرس إنذار مدوّ : حين تختطف القرارات من منطقها، وتُعاد صياغتها وفق هواجس واهية، تتحول الدولة من صانع للحلول إلى عائق أمامها ؛ وحين يحدث ذلك، لا يخسر المواطن وحده، بل تخسر الدولة نفسها تخسر معناها، ومصداقيتها، وقدرتها على الاستمرار كمرجعية موثوقة.
الأردن لا يحتاج إلى مزيد من النصائح التي تُغلّف الخوف بالحكمة، بل إلى قرار يُعيد تعريف الهيبة من جديد: هيبة تقف مع المواطن لا ضده، وتترجم إلى فرص لا إلى ذرائع، وتعني ببساطة أن الدولة، حين تَعِدُ، تفي.
وما دون ذلك... ليس إدارة دولة، بل إدارة تراجع.