كيف تخرج من حالة نفسية سيئة؟ .. خطوات بسيطة تُشعرك بتغير ملحوظ
05-10-2026 03:41 PM
عمون - مع زيادة ضغوط الحياة والعمل بشكل مستمر، يتعرض العديد منا للمرور ببعض الحالات النفسية السيئة، وحينها يسعى الجميع للبحث عن بعض النصائح للخروج من تلك الحالة، وتتوقف النصائح المُنتشرة عند عبارات عامة مثل "فكّر إيجابياً" أو "كنْ قوياً"؛ إلا أن أبحاث علم النفس السريري قدمت صورة أكثر عملية، وهي أن التغيير غالباً لا يبدأ من الفكر بل من أفعال صغيرة ملموسة حتى قبل أن يتغير الشعور الداخلي.
واتفق العديد من الأبحاث والدراسات النفسية حول أن الخروج من حالة نفسية سيئة غالباً لا يبدأ بمحاولة تغيير تفكير الشخص فقط، بل عليه اتخاذ خطوة ولو صغيرة بشكل فعلي، أو نشاط جديد لم تتم تجربته من قبل.
وعلى الرغم من أن بعض الخطوات قد تبدو بسيطة؛ إلا أنها مدعومة بأدلة علمية حقيقية على قدرتها في إحداث تحسن ملموس في الحالة النفسية حتى قبل أن يقتنع الشخص داخلياً بأنه سيشعر بتحسن بشكل فعلي.
ولكن إذا كان الشخص يمر بحالة من الصعوبة النفسية الحقيقية بشكل مستمر لفترة طويلة، فمن الأفضل التحدث مع مختص نفسي، يستطيع تقديم الدعم المناسب لكل حالة بشكل خاص.
أبرز الخطوات العملية لتحسين الحالة النفسية
وفي هذا الموضوع نستعرض لكم أبرز الاستراتيجيات والخطوات العملية المدعومة بشكل علمي للخروج من حالة نفسية سيئة أو للتخفيف منها على الأقل، وتساعدك على الشعور بالتحسن في حالتك النفسية وهي كالتالي:
اتخاذ قرار الفعل والشعور بالتحسن يأتي لاحقاً
يعد من أحد أكثر العلاجات النفسية فعالية للتعامل مع الحالة النفسية السيئة، ما يتم تعريفه بـ"التنشيط السلوكي - Behavioral Activation"، والذي يقوم على مبدأ بسيط وهو: إذا تم تغيير السلوك يتغير المزاج تبعاً لذلك وليس العكس.
ويعتمد هذا الأسلوب على فهم أن الحالة النفسية السيئة تدفع الشخص للانسحاب من الأنشطة التي كانت تمنحه المتعة أو الشعور بالإنجاز، وهذا الانسحاب يعمّق الشعور السيء في حلقة مفرغة، لذلك يقترح هذا الأسلوب إدراج أنشطة بسيطة عمداً في اليوم مثل: فنون يدوية، طبخ، قراءة، وقت في الطبيعة، أو نشاط اجتماعي كتناول القهوة مع صديق، حتى دون انتظار الرغبة الفعلية فيها؛ لأن الفعل نفسه هو ما يبدأ عملية التغيير.
الحركة الجسدية لها دور كبير في الحالة النفسية
أكد تحليل تلوي شمل 73 دراسة - Meta-analysis، بأن زيادة مستوى النشاط البدني له تأثير كبير في خفض أعراض الاكتئاب والقلق والضغط النفسي والاضطراب العاطفي، وبشكل خاص بين الأطفال والمراهقين.
وقد أشار العديد من الأبحاث الأخرى إلى أن ممارسة الرياضة بانتظام تخفف أعراض القلق والاكتئاب، بالاستناد إلى نظرية "التنشيط السلوكي"؛ حيث إن استبدال الأنشطة السلبية كالجلوس الطويل بحركة جسدية فعلية يُحدث تغييراً ملموساً في الحالة المزاجية، حتى لو اقتصر الأمر على مشي قصير بدلاً من تمرين رياضي بشكل مكثف.
الخروج للطبيعة يُحدث فرقاً ملموساً
توصلت دراستان ميدانيتان تم استخدامهما في مهام نفسية أثناء المشي في الطبيعة أن الانتباه المستمر تحسّن بشكل ملحوظ بعد ممارسة المشي لدى المشاركين الذين كانوا أكثر توتراً قبل بدء التجربة.
ومن خلال دراسة أخرى تناولت أثر "التمرين الأخضر - Green Exercise" أي ممارسة الرياضة مع محفزات بصرية وصوتية من الطبيعة، وُجد أن هذا النوع من التمرين يساعد على التعافي بشكل أسرع من حالة الضغط النفسي الحاد مقارنة بالراحة وحدها أو التمرين العادي بلا محفزات طبيعية، وفسرت هذه النتائج لماذا يوصي عدد من المتخصصين ببرامج قصيرة تجمع بين "الاستجمام بالغابة" وتتبع المزاج اليومي كأداة عملية لتحسين الحالة النفسية العامة.
الحرص على التعبير عما بداخلك على الورق
كشفت أبحاث رائدة أجراها عالم النفس جيمس بينبيكر منذ عام 1986 أن الكتابة عن التجارب الشخصية المؤلمة لمدة قصيرة تصل أحياناً لخمس عشرة دقيقة فقط لأيام متتالية، ترتبط بتحسن ملموس في المزاج وانخفاض في التوتر، وتحسن الذاكرة العاملة والرفاهية النفسية العامة.
وفسر جيمس بينبيكر هذا الأثر بأن كبت التجارب الصعبة يستهلك طاقة ذهنية حقيقية، فيما تمنح الكتابة الشخص فرصة لتنظيم هذه التجربة في سردية متماسكة لها بداية وسبب وأحياناً نهاية، ما يخفف عبء حملها بداخل الإنسان في صمت.
التعاطف مع النفس بدلاً من النقد القاسي
أشارت أبحاث متخصصة في مفهوم "التعاطف مع الذات – Self Compassion" والذي طورته الباحثة كريستين نف، إلى أن التعامل مع النفس بلطف في أوقات الضعف بدلاً من النقد القاسي، يرتبط بمرونة نفسية أعلى ووظائف نفسية إيجابية أوسع.
ومن خلال دراسة تجريبية استخدمت تمرين كتابة موجّهاً نحو التعاطف الذاتي، وجد الباحثون أن منْ مارسوا هذا الأسلوب أظهروا ارتفاعاً ملحوظاً في قدرتهم على تهدئة أنفسهم وتقدير ذاتهم، مقارنة بمنْ كتبوا عن موضوع محايد لا علاقة له بما يشعرون به.
الابتعاد عن تكرار الروتين وتنويع الأنشطة
أشارت دراسة تم إجراؤها على عينة من البالغين الأمريكيين في عام 2023 إلى أن الانخراط مع مجموعة أكثر تنوعاً من الأنشطة الممتعة يصل بك إلى مستويات أقل من أعراض الاكتئاب، مقارنة بالاكتفاء بنمط ثابت من الأنشطة المفضلة فقط.
وهذه النتيجة تعني عملياً أنه حتى لو كان لدى الشخص بالفعل بعض الهوايات التي تحسّن مزاجه، فإن تجربة أنشطة جديدة ومتنوعة قد تضيف قيمة إضافية حقيقية لا مجرد تكرار الروتين المعتاد نفسه.
متى يكون طلب المساعدة المتخصصة هو القرار الصحيح؟
أكد العديد من الأبحاث النفسية أن الاستراتيجيات المذكورة فعالة كخطوات عملية للتعامل مع الحالة النفسية السيئة أو تحسين المزاج المنخفض بشكل عام؛ إلا أنها لا تُغني عن التدخل المتخصص حين تكون الحالة النفسية السيئة مستمرة أو شديدة، أو تؤثر بشكل واضح على القدرة على أداء الأنشطة اليومية.
وفي تلك الحالة يوصي متخصصون بضرورة التوجه لاختصاصي نفسي أو طبيب مختص؛ حيث إن كثيراً من العلاجات النفسية المذكورة مثل التنشيط السلوكي والعلاج المعرفي السلوكي، أثبتت فعاليتها أساساً ضمن إطار علاجي منظم بإشراف متخصص لا كخطوات فردية معزولة فقط.
سيدتي