facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الثقافة الحزبية بوصفها هندسة الوعي الجمعي


د. بركات النمر العبادي
26-04-2026 12:41 PM

* من شرعية النص إلى شرعية الفعل السياسي

في التجارب السياسية الحديثة ، لم يعد التحديث مرهونًا بإنتاج القوانين بقدر ما أصبح مرتبطًا بقدرة المجتمع على استيعاب هذه القوانين وتحويلها إلى ممارسة يومية ، فالقانون ، مهما بلغ من الإتقان ، يظل إطارًا صامتًا ما لم تسكنه ثقافة سياسية تمنحه المعنى والفاعلية، من هنا ، تبرز الثقافة الحزبية ليس كعنصر مكمّل لمسار التحديث السياسي ، بل كشرط وجودي له ، وكهندسة عميقة للوعي الجمعي الذي يُعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع.

إن الثقافة الحزبية في جوهرها ليست مجرد معرفة تنظيمية أو انتماء شكلي ، بل هي نسق فكري وأخلاقي يؤسس لفهم جديد للسياسة بوصفها فعلًا عقلانيًا جماعيًا ، لا ساحةً للصراع الشخصي أو التعبئة العاطفية. ، انتقال من “سياسة الأفراد” إلى “سياسة البرامج”، ومن الولاءات الضيقة إلى التصورات الوطنية الشاملة ، وبهذا المعنى ، فإن الحزب لا يكون مجرد أداة تنافس ، بل يصبح مؤسسة لإنتاج المعنى السياسي ، وصياغة الخيارات العامة ضمن إطار من المسؤولية والوعي.

الفلسفة السياسية لطالما ربطت بين نضج الدولة ونضج الوسائط التي تربط المواطن بها ، وفي هذا السياق ، تشكل الأحزاب هذه الوسائط الحيوية ، لكن فاعليتها لا تُقاس بوجودها العددي ، بل بعمق ثقافتها ، فالحزب الذي لا يمتلك ثقافة ديمقراطية داخلية ، ولا ينتج معرفة سياسية ، ولا يربط خطابه بواقع الناس ، يتحول إلى هيكل فارغ ، عاجز عن أداء دوره في بناء المجال العام.

إن أحد أخطر التحديات التي تواجه المجتمعات في مراحل التحديث هو الانفصال بين “النص” و”الوعي” ، حيث تُسن القوانين دون أن تُفهم، وتُمارس الديمقراطية شكليًا دون أن تُستبطن قيمها ، وهنا تحديدًا تتجلى وظيفة الثقافة الحزبية كجسر بين الشرعية القانونية والشرعية المجتمعية ، فهي التي تُحوّل المشاركة السياسية من فعل موسمي إلى ممارسة مستدامة ، ومن حقّ مجرد إلى وعي بالمسؤولية.

ولا يمكن الحديث عن ثقافة حزبية دون التطرق إلى بعدها الأخلاقي. فالسياسة ، في أحد أعمق تعريفاتها، هي إدارة الاختلاف ضمن إطار من القيم . والحزب الذي لا يؤسس لثقافة احترام الرأي الآخر، ولا يمارس النقد الذاتي ، ولا يلتزم بالشفافية ، إنما يعيد إنتاج أزمات الثقة بدلًا من حلّها ، ولذلك ، فإن بناء ثقافة حزبية حقيقية يمرّ عبر إعادة الاعتبار للأخلاق السياسية بوصفها جزءًا لا يتجزأ من الفعل الحزبي.

كما أن العلاقة بين الحزب والمجتمع تمثل اختبارًا حقيقيًا لمدى رسوخ هذه الثقافة ، فالحزب الذي ينغلق على ذاته ، أو يخاطب الناس بلغة نخبوية منفصلة عن واقعهم، يفقد قدرته على التأثير ، و في المقابل ، الحزب الذي ينخرط في هموم المجتمع ، ويترجم رؤاه إلى حلول ملموسة ، ينجح في بناء ما يمكن تسميته بـ”الثقة التراكمية”، وهي أساس أي تحول سياسي مستدام.

إن التحديث السياسي ، في بعده العميق ، ليس مجرد انتقال في البنى ، بل تحول في الوعي ، والثقافة الحزبية هي الأداة التي تُدير هذا التحول ، عبر إنتاج مواطن قادر على التفكير السياسي ، لا مجرد متلقٍ له ، فالمواطن يرى في الحزب فضاءً للتعبير والتأثير، لا مجرد لافتة أو هوية.

وفي الحالة الأردنية ، حيث تتقاطع متطلبات الاستقرار مع ضرورات التحديث ، تكتسب الثقافة الحزبية أهمية مضاعفة ، فهي الضامن لتحويل الإصلاح من مشروع نخبوي إلى مشروع مجتمعي ، ومن رؤية سياسية إلى سلوك يومي ، وهي الكفيلة ببناء توازن دقيق بين الدولة القوية والمجتمع الفاعل ، بحيث لا تُختزل السياسة في السلطة ، ولا تُفرّغ من مضمونها.

في المحصلة ، يمكن القول إن الرهان الحقيقي ليس على عدد الأحزاب ، بل على نوعية ثقافتها. فمن وجهة نظر المحافظين الاردنيين و يؤكد على انه ، حين تتجذر الثقافة الحزبية ، يصبح الحزب مختبرًا للأفكار، ومدرسة للمواطنة ، وأداة لإنتاج المستقبل ، أما في غيابها ، فإن السياسة تنزلق نحو الشعبوية ، أو الجمود ، أو التفكك ، ومن هنا، فإن الاستثمار في الثقافة الحزبية هو، في جوهره، استثمار في استقرار الدولة ونضجها وقدرتها على الاستمرار.

حمى الله الاردن من كل كريهة

* حزب المحافظين الاردني - مساعد الامين العام للتثقيف الحزبي





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :