حين يتعب الجمهور من الأخبار… هل تنقذ الصحافة البناءة المهنة؟
26-04-2026 07:11 PM
عمون - كشفت نتائج استطلاع شمل نحو 50 دولة، أجراه معهد رويترز لدراسة الصحافة في حزيران الماضي، عن اتساع ظاهرة تجنب الأخبار؛ إذ قال 40% من المشاركين إنهم يتجنبون الأخبار أحيانًا أو غالبًا، بارتفاع ملحوظ عن عام 2017.
في ظل هذا المشهد، يبرز مصطلح "الصحافة البنّاءة" كأحد الاتجاهات التي تحاول إعادة تعريف دور الصحفي، ليس فقط كناقلٍ للخبر، بل كشريكٍ في فهمه والبحث عن حلول له.
ويعرف معهد بون للصحافة والحوار الصحافة البناءة بأنها نهج صحفي يهدف إلى تقديم تغطية دقيقة ومتوازنة للأحداث، لا تكتفي بعرض المشكلات، بل تضعها في سياقها، وتبحث في الحلول الممكنة.
الصحافة البناءة.. ضرورة ام خيار
المديرة التنفيذية لمدرج لريادة الاعلام الرقمي الدكتورة روان جيوسي، ترى أن الصحافة البناءة ضرورة اليوم، لحاجة الجمهور إلى فهم الأسباب الكامنة وراء الأحداث والقضايا، وتعزيز دور الصحافة في التحليل، ودعم التوجّه الإيجابي لإيجاد حلول للمشكلات القائمة بدل إغراق الجمهور بحالة من الإحباط والقلق والخوف دون أفق.
وتقول د. جيوسي لعمون، إن الصحافة البناءة ضرورة وليست خيارًا، في ظل مؤشرات على تجنّب الجمهور للأخبار وتراجع الثقة بالمؤسسات عمومًا، سواء على مستوى الدولة أو المجتمع المدني أو الأحزاب أو الإعلام، ما ينعكس في ضعف التفاعل الإيجابي مع قضايا البناء العام والخدمات.
ويوضح أن الصحافة البناءة تتميز بأنها تقدم معلومات ونماذج وقصص نجاح من دول أخرى لمعالجة مشكلات مشابهة، وتمنح الأمل، وتوفّر قدرة على الربط بين العناصر التي تؤدي إلى القضية، بالاضافة إلى كيف يمكن للمؤسسات المختلفة أن تتحمّل جزءًا من الدور ليكون الحل جماعيًا، وهذا بحد ذاته مهم وإيجابي.
وتؤكد أن المسألة ليست مقارنة بين الصحافة البنّاءة والصحافة التقليدية، بل تنوع في الأدوار ؛"البناءة" فكرة تقوم على مدى قدرة الإعلام على تقديم التحليل، والربط، وطرح الاقتراحات، مبينة أن الهدف الأساسي من الصحافة هو تسليط الضوء على الأخطاء ومحاولة الوصول إلى معالجتها من خلال التحليل والاستعانة بالخبراء المختصين، إضافة إلى جمع المقترحات وكلما كان الصحفي مختصًا في قضية ما، استطاع تقديم تحليل أوضح.
وفي السياق ذاته قالت الصحفية التونسية فاتن مهدب، إننا لا نستطيع اليوم تصنيف الصحافة البنّاءة على أنها ضرورة، ولا يمكن أيضًا القول إنها ليست خيارًا؛ فهي ما تزال خيارًا لدى الصحفيين، حيث يختار بعضهم تبنّي هذا النهج، بينما يتجه آخرون إلى مسارات مختلفة، مشيرة إلى ضرورة تدريسها ضمن المناهج والاعتراف بها.
وشددت مهدب على ضرورة الاعتراف بوجود صحافة لا تكتفي بالتركيز على المشكلات، بل تسعى أيضًا إلى إيجاد حلول والمضي قدمًا، مؤكدة أن الصحافة لا تقتصر على نقل المعلومات، بل يشمل كذلك تثمين جهود المبادرات والمشاريع والمؤسسات، إضافة إلى الأفراد الذين يعملون على إصلاح الواقع.
وبينت الفرق الجوهري الذي تُحدثه الصحافة البناءة في وعي الجمهور مقارنة بالتقليدية، أن الصحافة التقليدية "تمر مرور الكرام، خبر يقرأ في أسطر قليلة أو يشاهد في ثوان وينتهي"، أما الصحافة البناءة تحدث وعيا لدى الجمهور، من خلال صناعة أثر حقيقي، والتركيز على إيصال فكرة طلما أن هناك من تمكن من إيجاد حل فإن الاخرين قادرون على ذلك.
ومن جانبة، يذهب الصحفي خالد القضاة الى أن هذه المسميات تفرض طرق تعاطٍ مختلفة مع القضايا تحت عناوين مثل الصحافة البناءة أو صحافة الحلول، هذه المصطلحات وجدت لإعادة تصنيف الصحافة ضمن مهامها الأصلية.
وأكد أن الصحافة بطبيعتها يجب أن تكون بناءة، لا توجد صحافة غير بناءة، لأن هذا جزء من معناها ودورها في المجتمع، مشيرًا الى إعادة إنتاج هذه المسميات بهذه الطريقة لا تعدو كونها محاولة لخلق أساليب أو تخصصات جديدة لبعض الصحفيين، لكنها لا تخرج عن الإطار العام لدور الصحافة، التي يجب أن تكون بناءة وقادرة على إحداث أثر إيجابي في المجتمع.
الصحافة البناءة...وإعادة الثقة
وقالت الجيوسي إنه نتيجة تراجع الثقة بين المؤسسات الصحفية والمواطنين ووسائل الإعلام، وانتشار المعلومات المغلوطة والمضللة، وعدم قدرة الجمهور على التمييز بين مصادر المعلومات، إضافة إلى انتشار مواقع التواصل الاجتماعي ومنتجي المحتوى غير المحترفين، كل ذلك أدى إلى حالة من فوضى المعلومات، وما يرافقها من خلط وعدم ثقة بالمحتوى المتاح.
وتابعت في هذا السياق، تبرز الصحافة البناءة كدور جاد للإعلام في مساعدة المواطنين وتقديم الحلول، بما قد يسهم في إعادة بناء الثقة بوسائل الإعلام، ودعم حياة الناس بشكل مباشر، بحيث ينعكس ذلك بصورة ملموسة وإيجابية على حياتهم وقضاياهم اليومية.
وأوضحت أنه تنتشر في الفترة الأخيرة حالة من الإحباط والسلبية نتيجة وجود تحديات كبيرة تواجه المواطنين على المستويات الاقتصادية والسياسية، إضافة إلى قضايا الحريات العامة وتوفر الخدمات، والقدرة على مواكبة التطور التكنولوجي الكبير الذي يغزو حياتنا، تأتي صحافة البناءة كجزء من أسلوب التعامل مع القضايا اليومية والحياتية للمواطنين نحو الأفضل، من خلال تعزيز الأمل وتقديم حلول واقعية بناءة وقابلة للتطبيق، بما يساهم في تخفيف حدة السلبية والإحباط بشكل إيجابي.
وفي سياق متصل، أكدت مهدب أنه في ظل ما يعرف بـ"تعب الأخبار" من كثرة المعلومات السلبية، والأخبار القاسية، والصراعات والأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية التي يعيشها العالم، إضافة إلى ما ينشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي من محتوى وأحداث مؤلمة.
وأكد القضاة، أن الصحافة تقلّل من حالة الإحباط؛ لأن سوء إدارة المؤسسات، سواء في أنظمتها أو في النصوص القانونية التي تحكمها أو في الأشخاص الذين يديرونها، ينعكس مباشرة عليها، فنبدأ نسمع دعوات مثل لا نريد مجلس النواب، نتيجة الأداء السيئ أو النصوص القانونية أو مخرجات المجلس أو طريقة تعاطيه مع القضايا.
وقد تتوسع هذه الدعوات إلى رفض النقابات أو القوانين، والمطالبة بأن تتولى الحكومة وحدها إدارة كل القضايا، وهو ما يؤدي إلى انتقال الناس من الإحباط من أداء المؤسسات إلى المطالبة بإلغاء المؤسسات نفسها، بما فيها المؤسسة البرلمانية.
الصحفي البناء...عقل تحليلي ورؤية حلول
وذكرت الجيوسي المهارت التي يحتاجها الصحفي البناء منها التخصصية، بمعنى أن يكون لديه قطاع محدد، ويتقن كل ما يتعلق به، ويعرف خبراءه، ويقرأ عنه، ويفهم المعلومات المكتوبة ومصادر المعرفة المرتبطة به بالاضافة إلي التمكن من مهارات الذكاء الاصطناعي، بما يساعده على جمع المعلومات الكبيرة وتنظيمها، وكيفية عرضها بشكل مناسب وهذا كله يمكّنه من تقديم حلول واقعية ومنطقية.
وفي السياق ذاته، ترى مهدب انه لا يختلف الصحفي التقليدي عن الصحفي الذي يسعى إلى تبنّي الصحافة البنّاءة؛ فكلاهما مطالب بالالتزام بأخلاقيات المهنة ومسؤولياتها الاجتماعية، لكن ما ينبغي التحلي به للانتهاج الفعلي للصحافة البناءة هو القدرة على لمس الأثر ورؤية الحلول، وعدم إغفالها، بل التركيز عليها، والسعي إلى رصد المبادرات وإبرازها.
ومن جهته، أشار القضاه الى المهارات التي يحتاجها الصحفي لإنتاج محتوى بناء تبدأ بقدرته على الوقوف على مسافة واحدة من جميع مؤسسات الدولة، وألا يعتبر نفسه جزءًا من السلطة التشريعية أو التنفيذية، مع الحفاظ على استقلالية تامة. هذا يمكّنه من التعامل على أساس الندية والتكامل، لا التبعية. وعندما تتكوّن لديه هذه القناعة، يستطيع إنتاج مادة صحفية تتضمن وصفًا دقيقًا للواقع.