facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




"الكاميرات المرورية" بين دقة التطبيق وأزمة الثقة


فيصل تايه
28-04-2026 09:53 AM

​اليوم ، لم نعد نفكر بالحوادث المرورية بقدر ما نخاف الرسالة النصية التي تصلنا فجأة لتحمل رقم مخالفة، وتترك خلفها سؤالاً أكبر من قيمتها: متى ارتكبت المخالفة؟ وأين وكيف؟ إذ إن هذا التحول وحده كافٍ ليدق جرس إنذار حقيقي، لا يتعلق بحالة فردية أو تذمر عابر، بل بإحساس عام يتشكل بهدوء في الشارع، ويعيد تعريف العلاقة بين المواطن ومنظومة يُفترض أنها وُجدت لحمايته.

​لم تعد الكاميرات المرورية مجرد أدوات لضبط الإيقاع في الشارع، بل تحولت إلى عنوان يومي للنقاش العام، ومرآة تعكس علاقة معقدة بين المواطن وتطبيق القانون ، فالسائق الذي يقود مركبته بحذر، لا يفعل ذلك دائماً بدافع الوعي، بل بدافع القلق ، قلق من خطأ قد يُسجل عليه دون أن يدرك تفاصيله، أو مخالفة قد تطرق هاتفه كخبر مفاجئ أكثر منها نتيجة منطقية لسلوك واضح ، إذ يمكن لأي منا تجاوز الإشارة بثوانٍ معدودة، أو يبطئ قليلاً دون أن يدرك أنه دخل نطاق المخالفة، فيجد نفسه أمام عقوبة لا يفهم توقيتها بقدر ما يشعر بثقلها ، فالخطر ليس في أن يخطئ السائق، بل في أن يشعر أنه قد يُعاقب دون أن يفهم خطأه ، ولا يمكن هنا تجاهل أن هذا الشعور، حين يتكرر، يتحول إلى مزاج عام له أثر يتجاوز الطريق إلى الثقة اليومية بين المواطن والمنظومة التي يتعامل معها.

​لا أحد يجادل في أن الطرق بحاجة إلى انضباط، ولا أن الحوادث المرورية تكلّف المجتمع أثماناً فادحة بالأرواح والفرص الضائعة، كما لا يمكن إنكار أن إدخال التكنولوجيا يمثل تطوراً نحو العدالة حيث لا مجال للمزاجية ، لكن الإشكالية تكمن في كيفية حضور القانون في وعي الناس ، فالقانون الذي يُطبق دون أن يُفهم، أو يُشعر المواطن بثقله أكثر من حكمته، يفقد جزءاً من غايته.

وهنا يبرز بُعد آخر، فالمخالفة قد تتحول من أداة لتقويم السلوك إلى وسيلة تثير التوجس، حين تغيب عنها "الشفافية اللحظية" ، فالمواطن الذي يتلقى إشعاراً بمخالفة ارتكبها قبل أيام أو أسابيع، يفقد الرابط المنطقي بين الفعل ورد الفعل، ويصبح مجهوده الذهني منصباً على محاولة تذكر "أين وكيف ومتى؟" بدلاً من التركيز على تصحيح الخطأ.

​إن هذا التأخير في وصول المعلومة، أو الغموض في تفاصيل الحادثة المرورية، يجعل العقوبة تبدو وكأنها "ضريبة مفاجئة" وليست إجراءً وقائياًى، ومن هنا، تبرز الحاجة إلى أنظمة تمنح السائق تغذية راجعة فورية ، كأن يتم تفعيل لوحات إرشادية ذكية مرتبطة بالكاميرات، تعطي تنبيهاً ضوئياً أو رقمياً للسائق المتجاوز في نفس اللحظة، مما يحقق الردع التربوي الفوري، ويُشعر السائق بأن المنظومة هدفها "تنبيهه" لسلامته، لا "اصطياد" عثراته.

​بهذا الشكل، ننتقل من الرقابة التي تعتمد على عنصر المفاجأة، إلى الرقابة التي تعتمد على عنصر الشراكة، حيث يصبح الهدف الأسمى هو إيقاف الخطأ قبل وقوع الخطر، وليس مجرد تسجيله في السجلات المالية ، فالمواطن حين يرى أن النظام يحرص على تنبيهه قبل معاقبته، سيتولد لديه التزام ذاتي نابع من القناعة والتقدير، لا من الخوف والتحسب.

وهنا يبرز بُعد آخر، فالمخالفة قد تتجاوز كونها غرامة مالية لتصبح عبئاً معنوياً يرافق المواطن في كل رحلة، مما يحول الشارع من فضاء عام للعبور والراحة إلى حقل من الألغام القانونية التي تتطلب حذراً ينهك الأعصاب.

​هذا الضغط النفسي المستمر يولد نوعاً من "الالتزام الهش" ، حيث يقود السائق وعينه على حواف الطريق بحثاً عن الكاميرات، بدلاً من أن تكون وعيه منصباً على قواعد السلامة العامة ، لذلك فنحن اليوم بحاجة إلى تحويل هذه المنظومة من "سلطة رقابية صامتة" إلى "منظومة إرشادية تفاعلية".

​فبدلاً من أن تكون الكاميرا "خصماً" يختبئ خلف المنعطفات، يجب أن تكون "منارة" تنبه السائق بوضوح ، حيث ان وضع إشارات تحذيرية مضيئة تسبق الكاميرات بمسافة كافية، أو إرسال تنبيهات عبر تطبيقات الملاحة المعتمدة، لا يقلل من هيبة القانون، بل يعزز من قيمته الأخلاقية ، فالقانون القوي هو الذي يمنع وقوع الخطأ ابتداءً، لا الذي ينتظر وقوعه ليحصي الأرباح.

​إن حداثة المنظومة لا تكتمل إلا بقدرتها على التمييز ، فالتكنولوجيا التي تفتقر لـ (روح القانون) قد تساطر بين هفوة عابرة لسائق ملتزم طوال سنوات، وبين تهور مستمر لمن يتخذ من الشارع ساحة للاستعراض ، وإن الذكاء الاصطناعي الذي يدير هذه الكاميرات اليوم يجب أن يُسخر لخدمة (العدالة السلوكية)، بحيث يُنظر إلى السجل المروري كمعيار للمرونة، فتكون الأولوية للتنبيه والإرشاد في المخالفات البسيطة الأولى، بينما تشتد الرقابة على المكررين والمستهترين.

​بهذا التحول، لن تعود الكاميرا مجرد "جهاز رصد"، بل ستصبح أداة تربوية قادرة على تقويم السلوك لا مجرد معاقبته ، فالمواطن عندما يشعر أن النظام "يبصر" التزامه كما يبصر خطأه، سيتولد لديه ولاء للمنظومة، ويصبح هو نفسه حارساً للقانون، ليس خوفاً من الغرامة، بل إيماناً بأن هذا النظام وُجد فعلاً ليحمي حياته ويحترم وعيه.

​إن الهدف النهائي الذي يجب أن نسعى إليه جميعاً، مسؤولين ومواطنين، هو أن نصل إلى يوم لا نحتاج فيه للكاميرات أصلاً، لأن الثقة والوعي أصبحا هما الرقيب الذاتي. وحتى نصل إلى ذلك اليوم، ستبقى "أنسنة التقنية" هي الجسر الوحيد لردم الفجوة بين دقة التطبيق وأزمة الثقة، ولضمان أن يبقى الأردن نموذجاً في التطور الذي يحترم كرامة الإنسان وعقله بقدر ما يحترم سيادة القانون.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :