تحديات الشباب الاردني في الاطراف
د. بركات النمر العبادي
29-04-2026 11:17 AM
* حين يتحول المكان إلى قدرٍ اجتماعي على نفس الجغرافية الوطنية
في الأطراف الأردنية ، لا يُقاس البعد بالكيلومترات فقط ، بل يُقاس بمدى القرب من الفرص ، ومن دوائر القرار، ومن الإحساس بأنك مرئي في خريطة الوط ، فهناك ، حيث تخفت أضواء المركز، ينشأ جيلٌ من الشباب وهو يحمل سؤالًا وجوديًا صامتًا : هل نحن خارج الجغرافيا أم خارج الأولوية ؟
المشكلة ليست في الفقر بوصفه عوزًا ماديًا فحسب ، بل في ما يمكن تسميته بـ"فقر الإمكان". أن تكون قادرًا ولا تجد منفذًا ، أن تتعلم ولا تُستدعى مهاراتك ، أن تحلم ضمن حدودٍ مرسومة سلفًا لا يمكنك كسرها ، و هذا النوع من الحرمان لا يترك أثرًا في الجيب فقط ، بل يتسلل إلى الوعي ، فيعيد تشكيل طموحات الإنسان على مقاس المتاح لا الممكن.
وفي ظل هذا الواقع ، يصبح الإحباط حالة متراكمة لا حادثة طارئة ، هو ليس غضبًا صاخبًا ، بل صمت طويل يتخلله شعور خفي بالخذلان ، فالشاب في الأطراف يرى العالم يتسارع من حوله، بينما هو عالق في زمنٍ أبطأ ، زمنٍ تُستهلك فيه الطاقات في الانتظار ، لا في الإنجاز ، ومع الوقت ، يتشكل وعي جمعي بأن المركز ليس فقط مكانًا ، بل امتيازًا ، وأن الحظوظ تُوزع وفق القرب منه ، لا وفق الجدارة وحدها.
أما التعليم ، الذي يُفترض أن يكون سلّم العبور، فقد تحوّل في كثير من الأحيان إلى حلقة مغلقة ، فالشهادات تُعلّق على الجدران ، لكنها لا تفتح أبوابًا ، و معرفة نظرية لا تجد طريقها إلى سوق عمل محدود أصلاً ، فينشأ تناقض حاد بين ما يتعلمه الشاب وما يعيشه ، فيفقد الإيمان بجدوى المسار كله ، لا بجدوى الجهد فقط.
وعلى المستوى الاجتماعي ، تتضاعف التحديات ، فالمجتمعات الطرفية ، رغم تماسكها ، قد تفرض قيودًا غير مكتوبة على أنماط التفكير والمبادرة في بعض الاحيان ، ما يجعل الخروج عن السائد مغامرة مكلفة ، وهنا يجد الشاب نفسه محاصرًا بين واقع اقتصادي ضيق ، وسقف اجتماعي منخفض ، فيتآكل لديه الشعور بالقدرة على التغيير.
وفي هذا السياق ، يقدّم الفكر المحافظ الأردني قراءة تستحق التوقف ، فهو لا ينكر حجم الاختلال التنموي ، لكنه ينطلق من رؤية تعتبر أن الدولة ليست مجرد موزّع للموارد ، بل حارس للتوازن الاجتماعي والاستقرار ، فمن هذا المنظور، فإن معالجة الفجوة بين المركز والأطراف لا تكون فقط بضخ الأموال ، بل بإعادة الاعتبار لقيم الإنتاج ، وتعزيز الاعتماد على الذات ، وبناء اقتصاد محلي متجذر في خصوصية كل منطقة ، كما يؤكد هذا الفكر على أن قوة الأطراف تكمن في تماسكها الاجتماعي وهويتها ، ويرى أن تمكين الشباب يجب أن يتم دون تفكيك البنية القيمية للمجتمع ، بل من داخلها ، عبر توجيه الطاقات نحو العمل المنتج ، والحفاظ على فكرة الدولة الجامعة التي لا تترك أبناءها في الهامش ، وهنا لانقول ان تققل الحكومة من الهتمام في المركز وتتجه للاطراف بكل طاقتها ، ولكننا نقول ان الاهتمام يجب ان يشمل الشباب في جميع ارجاء الجغرافيا الوطنية بكل عناية و اهتمام وهذا ما يؤشر عليه حزب المحافظين الاردني في كل مواقفه الوطنية فالشباب كافه محط اهتمام المحافظين اينما كانوا .
لكن ، ورغم وجاهة هذا الطرح ، يبقى التحدي في ترجمة هذه الرؤية إلى سياسات ملموسة يشعر بها الشاب في يومه العادي ، لا في الخطاب فقط ، فالفجوة لا تُردم بالنوايا ، بل بإعادة توزيع حقيقي للفرص ، وبخلق مسارات حياة كريمة خارج ظل العاصمة.
في المحصلة ، ليست أزمة شباب الأطراف أنهم أقل قدرة ، بل أنهم أقل وصولًا وما لم يُكسر هذا الحاجز غير المرئي ، سيبقى الإحباط يتسلل بهدوء ، لا كحالة فردية ، بل كقدرٍ جماعي يتوارثه المكان قبل الإنسان ، وهنا لابد ان تقوم الحكومة بواجاتها التي او جبها عليها كتاب التكليف ، بضرورة ردم الهوة التي اصبحت تتورم بين المركز و الاطراف .
حمى الله الاردن من كل كريهة
* حزب المحافظين الاردني - مساعد الامين العام للتثقيف الحزبي