الإنسان في قلب المشروع الوطني .. قراءة في خطاب ولي العهد
فيصل تايه
30-04-2026 09:01 AM
استمعت بتمعن عميق إلى خطاب سمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني خلال رعايته حفل تخريج الدفعة الأولى من مكلفي خدمة العلم، فوجدتُ في هذا الخطاب ما يتجاوز حدود المناسبة إلى أفقٍ أرحب من الرؤية الوطنية، عاكساً إدراكاً استراتيجياً لطبيعة المرحلة، وتحولات الإقليم، واحتياجات الدولة في بناء إنسانها قبل أي شيء آخر، منطلقاً من الثوابت الهاشمية الراسخة التي تضع كرامة الأردني وعزته فوق كل اعتبار .
لم يكن خطاب سموه مجرد كلمات احتفالية تُقال في سياق المناسبة، بل بدا إطاراً فكرياً متكاملاً يعيد تعريف مفهوم الخدمة العامة بوصفها تجربة لصناعة الإنسان، لا محطة زمنية عابرة في حياته ، ففي جوهر هذه الرسالة، تتبلور فكرة الدولة التي تراهن على وعي أبنائها، وتضع الإنسان في قلب مشروعها التنموي والأمني والاجتماعي، تجسيداً حيًا لتوجيهات جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين المعظم، الذي لطالما أكد أن الإنسان هو أغلى ما نملك، وأن صون كرامته يمر حتمًا عبر تمكينه وتسليحه بالقدرة والوعي.
لقد حمل الخطاب بعداً تأسيسياً واضحاً حين أعاد الاعتبار إلى مفاهيم الانضباط، والمسؤولية، والعمل الجماعي، بوصفها ليست مهارات مساندة، بل ركائز جوهرية في بناء الشخصية الوطنية القادرة على الفعل والإنتاج والمشاركة ، وهي القيم ذاتها التي تشكل اليوم الأساس الحقيقي لتعزيز أخلاقيات العمل، وتوجيه الطاقات الشبابية نحو الإنتاجية، وربط الانتماء بالفعل الاقتصادي المنتج، لا بالاكتفاء بالشعور المجرد ، فالانتماء الحقيقي هو ما يعزز عزة النفس، ويجعل من المواطن شريكًا في تقرير مصير وطنه.
وفي سياق أوسع، ربط سمو ولي العهد بين التحديات المتسارعة في الإقليم، وضرورة امتلاك جيلٍ مسلح بالعلم والتكنولوجيا، بوصفهما أدوات قوة حديثة تحمي السيادة وتصون الكرامة، وتضمن للأردن مكاناً تحت الشمس في فضاءات المعرفة والابتكار ، وهو ما ينسجم مع التوجهات الرامية إلى تعزيز المهارات الرقمية والتقنية، بما يضمن مواءمة الشباب الأردني لمتطلبات العصر وسوق العمل المتغير.
إن خدمة العلم، كما برزت في الخطاب، ليست مجرد التزام تنظيمي أو تدريب عابر، بل هي مشروع لإعادة تشكيل الوعي الجمعي، وإعادة صياغة العلاقة بين الفرد والدولة على أساس من الانتماء الفاعل والمسؤولية الحقيقية ، وهي مساحة لاختبار القيم على أرض الواقع، وتحويلها إلى سلوك يومي يعكس الانضباط والالتزام والعمل بروح الفريق.
كما أكد الخطاب، في عمقه، أن قوة الوطن لا تُقاس فقط بمؤسساته، بل بوعي الإنسان الذي يقف خلف هذه المؤسسات، وبقدرته على الانخراط في بناء المستقبل بروح جماعية تتجاوز الفردية إلى المصلحة العامة.
وهو ما يشكل الفارق الحقيقي بين الدول التي تتقدم، وتلك التي تبقى رهينة التحديات.
ومن أبرز ما يلفت في هذا الطرح أنه يقدم الشباب بوصفهم طاقة وطنية مركزية، لا مجرد فئة عمرية، بل قوة تغيير حقيقية، وشريكاً أصيلاً في صياغة المرحلة القادمة ، وهي نقلة نوعية في الخطاب الوطني، تعكس انتقالاً من مفهوم التوجيه إلى مفهوم الشراكة، ومن التلقين إلى التمكين، ومن الانتظار إلى المبادرة.
فالتـمكين هو الضمانة الأسمى لتعزيز عزة المواطن وثقته بنفسه وبدولته.
وفي بعده الاستراتيجي، حمل الخطاب دعوة واضحة إلى تجاوز الجمود، وإدراك أن التحديات المعاصرة لا تُواجه بالأدوات التقليدية وحدها، بل بالجاهزية المستمرة، والعقل المرن، والاستثمار الحقيقي في التعليم والتكنولوجيا والمهارات، بوصفها أدوات سيادة في عالم سريع التحول.
إن القراءة المتأنية لهذا الخطاب تكشف أنه ليس مجرد حديث عن خدمة علم، بل إعادة تعريف لمفهوم الخدمة العامة ذاته؛ من واجب مؤقت إلى مشروع وطني ممتد، ومن تدريب إلى بناء، ومن التزام شكلي إلى ثقافة دولة قائمة على الوعي والانضباط والمسؤولية.
وفي النتيجة، فإن هذه الكلمة لا تُقرأ بوصفها خطاب مناسبة، بل بوصفها ملامح رؤية وطنية متقدمة، تؤكد أن الأردن ماضٍ في بناء دولته الحديثة بثقة، مرتكزًا على إنسانه أولًا، وعلى وعي شبابه وقدرتهم على الإنجاز.
ليبقى الأردن بقيادته الهاشمية، وبصلابة مؤسساته، وبعزيمة أبنائه، دولة تعرف طريقها وتمضي إليه بثبات، عصيّة على التحديات، وحاضرة كنموذج في البناء والاستقرار في إقليم لا يعرف السكون.