رفع أسعار المحروقات ليس رقماً يُعدّل في نشرة رسمية ، ولا بنداً مالياً يُمرّر بهدوء ، بل هو قرار ثقيل يضرب عمق الحياة اليومية ، ويعيد تشكيل المشهد الاقتصادي والسياسي دفعة واحدة ، فمن يختزل الأمر في “تسعيرة” يخطئ الفهم ، لأن الوقود ليس سلعة عادية ، بل هو عصب الاقتصاد ومحرك كل تفصيلة فيه ....
حين ترتفع أسعار المحروقات فإن أول ما يتحرك هو كلفة النقل ، ومعها تتحرك أسعار كل شيء ، فالشاحنة التي تنقل الغذاء والحافلة التي تقلّ الناس والمصنع الذي يشغّل معداته والمزرعة التي تضخ المياه جميعها تدفع أكثر ، وبالتالي تُحمّل الكلفة مباشرة على المواطن ، وهنا لا نتحدث عن زيادات جزئية ، بل عن موجة متلاحقة تضرب السلع والخدمات بلا استثناء ، وتُنتج واقعاً اقتصادياً عنوانه الواضح هو التضخم ، حيث تتآكل القدرة الشرائية ويتراجع مستوى المعيشة بصمت قاسي ....
المشكلة لا تقف عند حدود السوق ، لأنه من الناحية السياسية يتحول هذا القرار إلى اختبار مباشر لعلاقة الحكومة بالمجتمع ، فالمواطن لا يقيس الأمور بنشرات رسمية ، بل بما يدفعه يومياً من جيبه ، وعندما يرى أن دخله ثابت بينما الأسعار تتصاعد بلا سقف ولا رقابة ، فإن النتيجة الطبيعية هي احتقان يتراكم ، وثقة تتآكل ، وتساؤلات مشروعة حول جدوى السياسات المتبعة ،، في هذه اللحظة لا تعود القضية اقتصادية فحسب ، بل تصبح مسألة استقرار داخلي ومصداقية سياسية ....
الواقع في دول تعتمد على الاستيراد مثل الأردن يفرض تحديات حقيقية ، لكن التحدي الأكبر ليس في الارتباط بالسوق العالمية ، بل في كيفية إدارة هذا الارتباط داخلياً ، مثل الضرائب و آليات التسعير ، وغياب البدائل ، فكلها قرارات محلية خالصة لا يمكن تعليقها على شماعة الخارج ، وهنا يتحدد الفارق بين إدارة تتحمل مسؤوليتها ، وأخرى تكتفي بنقل العبيء إلى المواطن .....
خلاصة القول الذي لا يمكن الالتفاف عليه هو بأن رفع أسعار المحروقات ليس إجراء فني ، بل هو قرار سيادي له كلفة سياسية واجتماعية مباشرة ، وإذا غابت العدالة في توزيعه ، والحكمة في توقيته ، فإنه يتحول من أداة مالية إلى شرارة ضغط داخلي لا يمكن تجاهلها ....
والله المستعان..