الصيد في خليج العقبة ليس يوماً عابراً .. بل علم وبيئة ورزق مستدام
حمزة المحيسن
03-05-2026 09:19 AM
في خليج العقبة، لا يُقاس الصيد بيومٍ يعود فيه الصيادون إلى البحر، بل بمنظومة متكاملة تُدار بعلمٍ ووعيٍ يوازن بين حماية البيئة واستدامة الرزق للأجيال القادمة.
مع بداية كل موسم صيد، تعود القوارب إلى مياه الخليج محمّلة بتفاؤل الصيادين، وبأملٍ متجدد بأن البحر ما زال يحتفظ بقدرته على العطاء. لكن هذه العودة لا يمكن فهمها خارج سياقها الأوسع، فهي نتيجة مباشرة لقرارٍ سنوي تنظيمي تتخذه سلطة منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة خلال الفترة ذاتها من كل عام، ضمن رؤية تهدف إلى حماية الثروة البحرية في خليج العقبة وضمان استدامتها.
يمتد هذا القرار عادة من بداية كانون الثاني وحتى نهاية نيسان، وهي فترة دقيقة في حياة النظام البحري، حيث تتكاثر العديد من أنواع الأسماك وتحتاج إلى بيئة هادئة ومستقرة بعيداً عن الضغط البشري والصيد الجائر. ومن هنا، لا يأتي قرار الإيقاف كإجراء إداري، بل كضرورة بيئية لضمان استمرار دورة الحياة في البحر.
ورغم ما يحمله هذا التوقف من تحديات على الصيادين، إلا أن الأثر على المدى البعيد يثبت أهميته. فالبحر ليس مخزوناً يُستهلك، بل نظام حيّ متوازن، أي خلل فيه ينعكس على كل عناصره، من الشعاب المرجانية إلى المخزون السمكي، وصولاً إلى الإنسان نفسه.
وفي هذا السياق، من المهم الإشارة إلى أن هذا التنظيم ترافقه إجراءات داعمة للصيادين، إذ قامت سلطة منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة خلال فترة الإيقاف بصرف تعويضات مالية للصيادين، في خطوة تعكس فهماً عملياً للتوازن بين حماية البيئة وضمان الحد الأدنى من الاستقرار المعيشي للعاملين في قطاع الصيد.
ولم يتوقف الدور عند الجانب التنظيمي، بل امتد إلى البعد العلمي، حيث تعمل مفوضية البيئة والسلامة التابعة للسلطة على تنفيذ دراسات ومسوحات بحرية بشكل مستمر، إلى جانب شراكات مع جهات دولية وإقليمية، بهدف تطوير المعرفة العلمية بالبيئة البحرية في خليج العقبة، وتعزيز سبل تنمية الثروة السمكية بما يضمن استدامتها على المدى الطويل.
هذه الجهود مجتمعة تعكس تحولاً مهماً في إدارة الموارد البحرية، من إدارة موسمية إلى رؤية تنموية شاملة، تضع الاستدامة في قلب القرار، وتتعامل مع البحر باعتباره ثروة وطنية تحتاج إلى حماية واستثمار في آن واحد.
ومع عودة موسم الصيد، يعود الصيادون إلى البحر وهم يدركون أن ما ينتظرهم ليس مجرد رزق يومي، بل نتيجة إدارة واعية حافظت على التوازن بين الإنسان والطبيعة. فكل سمكة تُصاد اليوم هي امتداد لقرار حُسن إدارة في الأشهر السابقة.
في النهاية، لا يمكن النظر إلى الصيد في خليج العقبة باعتباره نشاطاً اقتصادياً فقط، بل هو نموذج حيّ لعلاقة معقدة بين العلم والبيئة والإنسان، يؤكد أن حماية البحر ليست خياراً، بل شرطاً أساسياً لاستمرار الحياة فيه.