facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




حين صمتت مدارسنا .. وغابت الموسيقى عن وجدان أبنائنا


فيصل تايه
03-05-2026 09:27 AM

​في ذاكرتي، لا تبدأ الحكاية من سطر في كتاب مدرسي، ولا من حصة كنا ننتظر انقضاءها، بل تبدأ من "صوت حي" كان يفيض من ساحة مدرسة "التطبيقات النموذجية" في أحد احياء عمان وتحديداً "بجانب معهد المعلمين "تلك المدرسة الحكومية كانت في سبعينات القرن الماضي أيقونة تربوية، ومصنعاً سيادياً للانتماء، ومعقلاً لصناعة الوعي الوطني ، حيث لم نكن نذهب إلى المدرسة كواجب ثقيل، بل كنا نسعى إليها كعشاق، نحمل إليها شغفنا، ونذرف الدمع عند فراقها، حتى باتت العطلة الصيفية عبئاً لأنها تحرمنا من ذاك الصرح الذي يسكننا.

​كنت واحداً من أولئك الفتية الذين لم يكتفوا بترديد النشيد الوطني كآلات صماء، بل عشناه عقيدة وتفاصيل ، ونبضاً ومعنى ، فكنا نقف في الطابور الصباحي، لا أمام سماعات مسجل جامد يبث صوتاً معلباً، بل أمام "كورس انشاد" ومن خلفه جوقة موسيقية حية تعزف النشيد الوطني عزفاً نابضاً، يلامس نياط القلوب قبل الآذان .

كنا نحن الجوقة، ونحن العازفون، ونحن من نصوغ السلام الملكي بأيدينا الصغيرة ليرتقي إلى عنان السماء ، فلم نكن مجرد "جمهور" يصفق، بل كنا نحن "الفعل" ونحن "الحدث" ونحن "الوطن" في لحظة تجلٍّ موسيقية تختصر معنى الانتماء كله.

​كانت مدرستنا تتحول في المناسبات الوطنية إلى مسرح كوني للوطن ، فلم نكن نستجدي فرقة خارجية، ولم ننتظر دعماً من أحد ، لأننا كنا نمتلك الاكتفاء الذاتي الوجداني ، وكنا نحمل الآلات كمن يحمل السلاح ذوداً عن حياض الجمال، ونملأ الدنيا حياة .

كنا ندرك بالفطرة أن المدرسة هي خط الدفاع الأول عن هوية الدولة، وأن الأمة التي لا يغني طلبتها بانسجام، لن تستطيع أن تبني مستقبلاً متصالحاً مع ذاته ، فكانت الموسيقى هي "الشيفرة السيادية" التي تحصن عقولنا من لوثة الاغتراب، وتزرع فينا روح الجماعة قبل أن تفرّقنا الأنانية والمصالح الضيقة .

​وفي قلب هذا الإعجاز التربوي، كان يقف المعلم المبدع الضرير "إسماعيل قدري" الذي لم تكن عتمة البصر تعني له عتمة الرؤية ، فقد كان يرى بالموسيقى ما لا تراه العيون، ويبصر بالنغمة ما تعجز عنه الأبصار ، ويا للمفارقة الموجعة ، كيف لمعلم كُفَّ بصره أن ينير بصائرنا بنور النغم، في حين تعجز مؤسسات بكامل أبصارها وبصائرها وإمكاناتها اليوم عن إشعال سراج واحد للروح في قلوب أبنائنا؟

لقد كان الاستاذ "قدري" يبصر "الإنسان" فينا، بينما تكتفي المنظومة اليوم برصد "الأرقام" في سجلاتها ، اذ علّمنا أن الموسيقى ليست لهواً، بل هي علم وأصول فأخذ بأيدينا إلى "السلم الموسيقي"، وعلمنا كيف نقرأ "النوتة" بوعي لا بحفظ، وكيف نصغي قبل أن نعزف ، فبدأنا معه بآلة "الميلويديكا"، وتعرف ايضاً "البيانيكا"، هي آلة نفخ موسيقية شبيهة بالميلوديون والهارمونيكا ، فكنا نقرأ الألحان ونعيشها قبل أن تخرج إلى الوجود.

​ولكن.. هنا يصفعنا الواقع بسؤاله المرير: أين اختفت تلك الروح؟ ومن الذي اتخذ القرار بتغييب هذا الصوت الحي؟ لماذا صمتت الجوقات المدرسية؟ ولماذا تحولت الموسيقى من "رئة" يتنفس بها الطالب، إلى مادة غائبة، أو حصة هامشية يملؤها الفراغ؟

إن ما حدث لم يكن تغييراً ، بل كان اغتيالاً ممنهجاً للوجدان ، فقد توهم البعض أن صمت المدارس وقار، ولم يدركوا أننا حين كسرنا "الناي"، لم نورث أبناءنا هدوءاً، بل تركنا آذانهم وعقولهم عرضة لـ "صخب التفاهة" الرقمية، ولألحان غريبة تشوه الذوق وتهدم القِيَم ، فنحن لم نُسكت الطالب، بل جعلناه يستبدل سيمفونية الوطن بضجيج العدمية والعنف الجاف .

​إننا نتساءل بكل صراحة: هل يمكن أن نبني إنساناً سوياً بلا وجدان؟ وهل ننتظر انتماءً حقيقياً من جيل لم يتذوق طعم الفن ولم يطرب لنغمة وطنية حية؟ فالصمت الذي فرضناه على غرف الموسيقى في مدارسنا لم يورثنا سكينة، بل أفرز جفافاً في المشاعر، وتراجعاً في الذوق العام، وبروزاً لظواهر غريبة عن مجتمعنا ، فغياب "النغم" لم يترك مكانه للفراغ، بل تركه لكل ما هو مشوه وقاس.

​اليوم، ومع الحديث الخجول عن إعادة التربية الموسيقية، فإننا نرفع السقف عالياً ونخاطب صاحب القرار: إننا لا نريد قرارات ورقية أو ديكورات شكلية، بل نريد عودة حقيقية لروح المدرسة ، نريد المعلم المتخصص الذي يشبه أولئك العمالقة الذين صقلوا أرواحنا، نريد إدارة نشاطات تربوية تكون "محراباً للفن" لا "ديواناً للبريد".

​إننا نطالب بـ أمن وطني تربوي ، نطالب بمدرسة تعيد بناء "الإنسان المتكامل"، ذاك الذي يقرأ النوتة كما يقرأ المعادلة الرياضية، والذي يعزف للوطن كما يدافع عن حدوده ، فاستعادة الموسيقى هي استعادة لهيبة المدرسة، وصون لجيلنا من التيه ، وإننا نقول بكل صراحة : إن الجيل الذي لا يجد "الجمال" في مدرسته، سيبحث عن "القبح" في شوارع التيه ، فإما أن نعلمهم العزف للحب والوطن، أو ننتظر أن يعزفوا ألحان الخراب على أوتار مجتمعاتنا .

ف​يا مدرستي .. يا مدرسة التطبيقات النموذجية التي علمتنا أن الوطن "نغمة" تسكن الحنايا، ويا كل مدارسنا: أعيدوا زرع تلك الألحان في عروق الأجيال، ودعوهم يرددون بملء إيمانهم، لا بأفواههم فقط: "على ذرى أردننا الخصيب.. الأخضر العابق بالطيوب".
​فإما أن نعيد للمدرسة صوتها المفعم بالحياة.. وإما أن نقبل بصمت جنائزي لا يُخرج إلا أشباحاً بلا نغم وبلا هوية.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :