حين يختلّ الميزان .. بين واجب الحكومة وأعباء المجتمع
د. بركات النمر العبادي
03-05-2026 11:25 AM
في الفكر المحافظ الأردني ، لا تُفهم الدولة بوصفها جهازاً إدارياً فحسب ، بل ككيانٍ راعٍ للتوازن ، حارسٍ للاستقرار، ومسؤولٍ عن صون العقد غير المكتوب بينها وبين المجتمع ، هذا العقد الذي يقوم على تبادل الثقة : تلتزم فيه الدولة بالحماية والعدالة ، ويقابله التزام المواطن بالولاء والانتماء ، غير أن هذا الميزان الدقيق يختلّ حين تتسع الفجوة بين القدرة على العيش ومتطلبات الحياة.
اليوم ، يقف كثير من الأردنيين أمام واقعٍ اقتصاديٍ ضاغط ، حيث لم يعد الدخل المحدود قادراً على مجاراة كلفة المعيشة المتصاعدة ، و ليس الأمر شكوى عابرة ، بل تحوّلٌ بنيوي يمسّ صميم الاستقرار الاجتماعي ، فالتآكل التدريجي للدخل لا يُقاس بالأرقام وحدها ، بل بما يتركه من أثرٍ على الكرامة اليومية ، وعلى شعور الفرد بقدرته على الإيفاء بالتزاماته الأساسية.
من هنا ، يصبح لزاماً على الدولة—وفق منظورٍ محافظ—أن تعود إلى أدواتها الأصيلة في الفهم قبل الفعل ، وأن تُبادر إلى تشكيل فرقٍ طوارئ وطنية متخصصة تُعنى بدراسة الواقع الاجتماعي والاقتصادي للأسر الأردنية دراسةً عميقة ومحدثة ، فخط الفقر ليس رقماً جامداً، بل مفهومٌ متغيّر يتبدل بتبدل الظروف ، وأي سياسات لا تنطلق من قياسٍ دقيق لهذا الواقع تبقى قاصرة عن تحقيق العدالة.
غير أن ما يثير القلق ليس فقط ثقل الأعباء ، بل الانطباع المتنامي بأن المقاربات الحكومية تميل إلى إدارة الإيرادات أكثر من إدارة الأثر الاجتماعي، إذ يبدو—في نظر كثيرين—أن البحث في سبل رفع أثمان السلع والخدمات يتقدم على البحث في كيفية حماية القدرة الشرائية للمواطن ، وأن تحسين أوضاع الصف الأول من المنتسبين يحظى بأولوية لا تتسق مع حجم التحديات التي يواجهها عموم الناس.
في هذا السياق ، لا يمكن إغفال أن وزاراتٍ محورية ، كوزارة التنمية الاجتماعية ووزارة الداخلية، تقع في صميم هذا التكليف الأخلاقي والوطني ، فالأولى معنية بقراءة التحولات الاجتماعية والتقاط إشارات الهشاشة قبل تفاقمها ، والثانية مسؤولة عن استقرار المجتمع الذي لا ينفصل عن عدالة أوضاعه ، وأي غيابٍ لدورٍ فاعلٍ لهاتين المؤسستين في لحظة كهذه يطرح تساؤلاتٍ مشروعة حول أولويات العمل العام.
إن المحافظة ، بمعناها العميق ، لا تعني الجمود ولا تبرير الواقع ، بل تعني حماية الأسس التي يقوم عليها المجتمع ، وفي مقدمتها التوازن والعدالة ، والدولة التي تسعى إلى صون هيبتها واستقرارها ، لا بد أن تنظر إلى معاناة مواطنيها بوصفها مؤشراً يستوجب الفعل ، لا عبئاً يمكن احتواؤه بالخطاب.
فحين يختلّ الميزان بين الدخل وكلفة العيش ، لا يكون التصحيح خياراً سياسياً ، بل ضرورة وطنية ، وحين يشعر المواطن أن الأعباء تتراكم عليه دون أفقٍ واضحٍ للمعالجة ، فإن التحدي لا يعود اقتصادياً فحسب ، بل يصبح اختباراً لصلابة العلاقة بين الدولة ومجتمعها.
وفي المحصلة، فإن استعادة هذا التوازن لا تتطلب معجزات ، بقدر ما تتطلب إرادةً صادقة ، وقراءةً دقيقة ، وجرأةً في إعادة ترتيب الأولويات ؛ حيث يكون الإنسان لا الإيراد هو نقطة البدء ، وغاية السياسات ، ومعيار نجاحها.
حمى الله الاردن من كل كريهة
* حزب المحافظين الاردني - مساعد الامين العام للتثقيف الحزبي