facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




بين البقاء في السلطة ومشروع الهيمنة: لماذا يتمسك النظام الإيراني ببرنامجه النووي؟


د. عبدالحفيظ العجلوني
03-05-2026 12:37 PM

ليس من السهل تفسير إصرار النظام في طهران على المضي قدمًا في برنامجه النووي، رغم الضغوط غير المسبوقة والتحديات المتراكمة، بل ورغم الكلفة الباهظة التي يدفعها الشعب الإيراني يوميًا. باعتقادي، وباعتقاد كثير من المحللين، أن المسألة في جوهرها تتجاوز حسابات الربح والخسارة التقليدية، ولا تقتصر على سعي النظام لتحقيق منفعة مباشرة للبلاد، بقدر ما تتعلق بمشروعه الأوسع المتمثل: بالهيمنة الإقليمية التي تستند إلى دوافع أيديولوجية تسعى لتصدير نموذج “ولاية الفقيه” إلى المنطقة العربية المجاورة.

خلال الأشهر الأخيرة، ونتيجة للصراع القائم، تكشف المؤشرات واقعًا ضاغطًا على النظام في طهران يتجلى في خسائر بشرية ومادية فادحة، وتضييق اقتصادي متزايد، وتلويح أمريكي بضربات عسكرية قد تحمل تأثيرات قاسية على البنية التحتية الإيرانية. ومع ذلك، لا يظهر أن النظام مستعد للتراجع، والسؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح: لماذا؟

للإجابة، لا بد من تفكيك المشروع الأيديولوجي الإيراني الذي جعل من الهيمنة على المنطقة هدفًا استراتيجيًا. فما يُروّج له باعتباره صراعًا مع إسرائيل ليس -من منظور طهران- صراعًا وجوديًا دفاعيًا، بل هو في جوهره صراع من أجل النفوذ والهيمنة، تُوظف فيه القضية الفلسطينية كورقة ضغط وغطاء أيديولوجي. فالنظام في إيران يبدو أنه لا يسعى لتحرير القدس بقدر ما يسعى لتحرير المنطقة من الأنظمة العربية المنافسة، وإحلال دوره كقوة مهيمنة تمتد من طهران إلى بيروت عبر بغداد ودمشق وصنعاء وغيرها من العواصم العربية. وفي هذا السياق، لا يُعد البرنامج النووي مجرد رادع عسكري، بل هو السقف الذي يحمي هذا المشروع التوسعي، ويضمن عدم قدرة أي قوة إقليمية -سواء كانت إسرائيل أو السعودية أو تركيا- على تحدي النموذج الإيراني.

أما على الصعيد الداخلي، فالمسألة أكثر تعقيدًا، إذ إن تراجع النظام في طهران عن البرنامج النووي أو التخلي عن شبكة النفوذ الإقليمي لن يُقرأ في الداخل الإيراني كخطوة تكتيكية، بل كإقرار ضمني بفشل المشروع الأيديولوجي بكامله. وهذا من شأنه أن يفتح الباب أمام مساءلة شعبية صعبة حول حصيلة نصف قرن من السياسات التي أثقلت كاهل المواطن الإيراني، بدءًا بالحرب مع العراق، مرورًا بالانخراط العميق في أزمات لبنان وسوريا واليمن والعراق، وصولًا إلى تصدير نموذج حكم أثقل كاهل إيران نفسها قبل جيرانها. يدرك النظام جيدًا أن شرعيته لم تعد قائمة على خدمة المواطن وتحقيق رفاهه، بل على ثلاث ركائز هي: العداء لإسرائيل، وشعار “المقاومة”، والقدرة النووية، فإذا سقطت واحدة منها انهار البناء كله.

ولإحكام قبضته، يعيد الخطاب السياسي الإيراني باستمرار صياغة الصراع باعتباره مواجهة بين “محور المقاومة” و”الأعداء الخارجيين” وعلى رأسهم الولايات المتحدة وإسرائيل، ويَربِط بقاء النظام ببقاء الدولة نفسها. وبهذه الآلية، تُعاد توجيه بوصلة الغضب الشعبي نحو الخارج، ويُصوَّر أي تراجع على أنه هزيمة وطنية لا مراجعة سياسية عاقلة. وتصبح الولايات المتحدة وإسرائيل على الدوام عدوًا تُبنى عليه شرعية النظام بالقمع الداخلي والإنفاق الخارجي، بما يسمح بتفريغ الاحتقان الشعبي وتحويله إلى طاقة عدائية موجهة نحو الخارج.

المفارقة أن كلفة مراجعة النهج وإعادة النظر فيه -في منطق النظام في طهران ومثله من الأنظمة الشمولية- تصبح في كثير من الأحيان أعلى من كلفة الاستمرار فيه مهما بلغت. فهذه الأنظمة تعمل على البقاء في السلطة كأولوية تتقدم على أي اعتبار آخر، وتنظر إلى التراجع باعتباره تهديدًا وجوديًا قد يقود إلى فقدان شرعيتها، وربما يؤدي إلى انهيار كامل لأركانها. لذلك، يصبح التشبث بالمشروعات الكبرى -نوويًا كان أو توسعًا إقليميًا- وسيلة للحفاظ على تماسك السلطة ودرء خطر فتح ملفات الماضي. تفضّل هذه الأنظمة أن تحكم بلدًا فقيرًا يتمتع بقوة إقليمية قاهرة، على أن تحكم بلدًا غنيًا ينعم مواطنوه بالسلام والاستقرار.

إن تمسك إيران ببرنامجها النووي ليس تعبيرًا عن دفاع مشروع، بل هو عصارة معادلة معقدة تمزج بين الهوس الأيديولوجي بتصدير الثورة، والسعي للهيمنة على المنطقة العربية، والخوف الوجودي من انهيار النظام داخليًا. وفي هذه المعادلة، لا يمثل الصراع مع إسرائيل -ومن ورائها الولايات المتحدة- أكثر من ساحة واحدة من ساحات المعركة الأوسع: معركة الهيمنة على الشرق الأوسط تحت غطاء ديني وسردية تحريرية، تُستخدم فيها القضية الفلسطينية ذريعةً لتمرير أجندة توسعية لا علاقة لها بالتحرير بقدر علاقتها بالسيطرة والتفرد بالقرار الإقليمي.

ويظل السؤال مفتوحًا: إلى أي مدى يمكن لهذا النهج أن يصمد، في ظل تآكل الاقتصاد، وتوسع دائرة العزلة، وارتفاع الأصوات الناقمة في الداخل الإيراني نفسه؟ الإجابة لن تتحدد فقط في المفاوضات أو التهديدات العسكرية، بل في قدرة النظام على الاستمرار في محاولاته لإقناع الإيرانيين -عبر آليات القمع تارة، والإغراءات بالنصر تارة أخرى- بأن ثمن الهيمنة لا يزال أقل من ثمن الانهيار.

وما يعنينا كعرب من هذا كله، وما يمكن أن نعوّل عليه، هو قدرة دولنا على بناء رؤية استراتيجية مشتركة تحاول من خلالها التصدي لمشروعي الهيمنة الإسرائيلي والإيراني على منطقتنا، قبل أن يُفرض علينا واقع صعب المآلات لا رجعة فيه.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :