بين هيبة الدولة وعدالة الأعباء .. التقشف في الميزان الأردني
د. بركات النمر العبادي
04-05-2026 04:13 PM
ردا على دعوة نائب رئيس الوزراء الأسبق الدكتور جود العناني، الأردنيين إلى مواجهة التحديات التي يدخلها الأردن بسبب الأزمة في المنطقة " بالتقشف.”
لا يمكن التعامل مع حديث د/ جود العناني بوصفه مجرد نصيحة اقتصادية بريئة؛ فالدعوة إلى “التقشف” في السياق الأردني تحمل حمولة سياسية وأخلاقية ثقيلة، خصوصًا عندما تصدر عن شخص كان في موقع القرار خلال مراحل مفصلية من رسم السياسات الاقتصادية في الاردن، هنا يظهر التناقض الذي لا يمكن القفز عنه بسهولة.
لقد ارتبط اسم العناني، كغيره من رموز المدرسة الاقتصادية التقليدية، بمرحلة التحول نحو اقتصاد السوق، والانخراط العميق مع المؤسسات المالية الدولية، تلك المرحلة، رغم ما حملته من وعود بالإصلاح، أسهمت عمليًا في تراكم الدين العام، وتآكل الطبقة الوسطى، وتعميق الفجوة الاجتماعية، وعليه، فإن الدعوة الحالية للتقشف تبدو، في نظر شريحة واسعة من الأردنيين، وكأنها إعادة إنتاج لنفس النهج ولكن على حساب المواطن هذه المرة بشكل أكثر مباشرة.
في لحظة إقليمية دقيقة، يبرز خطاب التقشف بوصفه خيارًا مطروحًا لمواجهة المجهول الاقتصادي، وحديث الدكتور جود العناني يأتي في هذا السياق، محذرًا من تداعيات صراع لا يملك الأردن ترف الانعزال عنه، ومن حيث المبدأ، لا يختلف اثنان على أن الدولة الأردنية، بحكم موقعها وإمكاناتها، مطالبة دائمًا بإدارة مواردها بحكمة، وأن الاعتدال في الإنفاق قيمة أصيلة في الوعي الوطني.
غير أن المسألة لا تقف عند حدود الدعوة إلى التقشف، بل تتجاوزها إلى سؤال أعمق: كيف يُوزَّع عبء هذا التقشف، ومن يتحمّل كلفته؟
هنا تتجلى حساسية المشهد، لأن المواطن الأردني لم يعد ينظر إلى الأزمات بوصفها طارئة، بل كحالة ممتدة دفع أثمانها مرارًا، سواء عبر الضرائب أو تراجع القدرة الشرائية أو انكماش الفرص.
لقد مرّ الاقتصاد الأردني بمحطات إصلاح قاسية، ارتبطت بالانخراط في وصفات المؤسسات الدولية، وكان الهدف المعلن آنذاك هو تحقيق الاستقرار وتعزيز الاعتماد على الذات، إلا أن النتيجة في نظر كثيرين، لم تصل إلى مستوى الطموح، حيث بقيت المديونية مرتفعة، واستمر الضغط على الطبقة الوسطى، وتراجعت قدرة الاقتصاد على توليد فرص إنتاجية كافية، ومن هنا، فإن أي خطاب جديد يدعو إلى شد الأحزمة يحتاج إلى أن يجيب بوضوح: ما الذي سيتغير هذه المرة؟
وفي هذا الإطار، فإن توصيف بعض أنماط الإنفاق الشعبي باعتبارها “ترفًا” يتطلب قدرًا من الدقة، فبينما لا خلاف على ضرورة ترشيد الاستهلاك، إلا أن جزءًا كبيرًا مما يُنفق اليوم بات مرتبطًا بمتطلبات الحياة والعمل، في ظل تحولات رقمية واقتصادية متسارعة، وعليه، فإن معالجة الاختلالات لا يمكن أن تختزل في سلوك الفرد، بل يجب أن تنطلق من إعادة تنشيط الإنتاج، وتحفيز الاقتصاد الحقيقي، وتقليل الاعتماد على الجباية كمصدر رئيسي للإيرادات.
وفي المقابل، تبرز مفارقة لافتة: في الوقت الذي يُطلب فيه من المواطن التقشف، يُطرح الحديث عن ضخ مليارات الدولارات في الاقتصاد الأردني. هنا يصبح السؤال مشروعًا:
من أين تأتي هذه الأموال؟ وهل هي استثمارات حقيقية أم قروض مقنّعة؟ وهل نحن أمام دورة جديدة من الاستدانة تُرحّل أعباءها إلى الأجيال القادمة؟
وفي المقابل، يبرز تساؤل مشروع حول طبيعة التدفقات المالية التي يُعلن عنها بين الحين والآخر، فحين يُطرح الحديث عن ضخ مليارات في الاقتصاد، فإن المنظور المحافظ يقتضي التمييز بين الاستثمار المنتج الذي يخلق قيمة مضافة وفرص عمل، وبين التمويل القائم على الاستدانة الذي يؤجل الأزمة ولا يحلّها، الشفافية هنا ليست ترفًا، بل شرط أساسي لتعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع.
إن الدولة الأردنية، بتاريخها ومؤسساتها، قادرة على تجاوز التحديات، لكنها تحتاج في هذه المرحلة إلى ما هو أبعد من الإجراءات المالية؛ تحتاج إلى مراجعة متوازنة تعيد تعريف الأولويات، وتربط بين الاستقرار الاقتصادي والعدالة الاجتماعية، فالمحافظة، في جوهرها، ليست تمسكًا بالسياسات بقدر ما هي تمسك بثوابت الدولة: الكرامة، والعدالة، وتكافؤ الفرص.
في الخلاصة، التقشف قد يكون ضرورة في لحظات معينة، لكنه لا ينجح إلا حين يكون جزءًا من رؤية أشمل تقوم على عدالة توزيع الأعباء، ومصارحة المواطن، وتحفيز الإنتاج، أما دون ذلك، فإنه يتحول إلى عبء إضافي يُضعف الثقة بدل أن يعززها، وهو ما لا يحتمله الأردن في ظل هذه المرحلة الدقيقة.
حمى الله الاردن من كل كريهة
* حزب المحافظين الاردني - مساعد الامين العام للتثقيف الحزبي