facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




شراء الذكاء


د. صالح سليم الحموري
05-05-2026 04:44 PM

لم يعد الذكاء كما عرفناه يومًا.

لم يعد ذلك التراكم البطيء للمعرفة، ولا تلك القدرة التي تتشكل بصبر عبر التعليم والخبرة والتجربة. لم يعد رحلة طويلة تبدأ بالسؤال وتنتهي بالفهم… بل أصبح، في كثير من الأحيان، خيارًا متاحًا.

اليوم، الذكاء يُشترى… وبكلفةٍ لم نكن نتخيّلها يومًا.

ليس مجازًا، بل واقعًا نعيشه، وأمارسه أنا شخصيًا… كل يوم.

أشتري الذكاء حين أستخدم أداة تختصر لي ساعات من البحث.

أشتريه حين أستعين بنموذج يساعدني على التحليل والكتابة واتخاذ القرار.

أشتريه حين أصل إلى معرفة كانت، قبل سنوات قليلة، تتطلب عمرًا من التخصص.

بضغطة زر، يمكنني أن أكون أسرع… أدق… وأكثر إنتاجية.

لكن السؤال الأهم ليس: ماذا نفعل؟

بل: ماذا نشتري فعلًا؟

نحن لا نشتري “العقل”، بل نشتري امتداده…

امتدادًا يوسّع قدرتنا إلى درجة تدفعني أحيانًا لأقول إنني أصبحت “آنسالي”

لا نشتري الفهم، بل نشتري الطريق المختصر إليه.

نشتري القدرة على الوصول، على المعالجة، وعلى الربط بين كمٍّ هائل من المعلومات في لحظة واحدة.

لكن “الآنسالي” الذي نقترب منه… ليس كائنًا أذكى،

بل إنسانًا محاطًا بطبقات من الذكاء.

نشتري الوقت… الذي كان يُهدر.

والجهد… الذي كان يُستنزف.

لقد أصبح الذكاء طبقة إضافية، يمكن تركيبها فوق قدراتنا الطبيعية.

وهذا ليس جديدًا بالكامل.

فالتعليم المتميز كان دائمًا شكلًا من أشكال “شراء الذكاء”.

والاستشارات، والتدريب، والكتب، وقواعد البيانات… كلها كانت وسائل للاقتراب من المعرفة عبر الاستثمار.

لكن الجديد اليوم… هو السرعة.

والفورية.

والاتساع.

لقد أصبح الذكاء رقميًا، لحظيًا، ومتاحًا… ولكن ليس للجميع بنفس الدرجة.

وهنا تبدأ المفارقة.

كلما أصبح الذكاء أكثر قابلية للشراء، أصبح أكثر ارتباطًا بالقدرة على الدفع.

من يملك الموارد، يضيف طبقات متتالية من “الذكاء المعزز”.

ومن لا يملك… يبقى في مستوى مختلف من المنافسة.

نحن لا نواجه فجوة في المعلومات… بل فجوة في الوصول إلى الذكاء نفسه.

لكن التحدي الحقيقي لا يقف هنا.

الأخطر من الفجوة… هو الاعتماد.

حين تصبح الإجابة سهلة، يتراجع الجهد الذهني.

وحين تصبح الحلول جاهزة، يضعف السؤال.

ليس لأن الإنسان أقل قدرة…

بل لأن البيئة لم تعد تتطلب منه أن يكون أعمق.

وهنا تتغير المعادلة.

لم يعد التحدي أن “تعرف”،

بل أن تفكر.

لم يعد التفوق في امتلاك الإجابة،

بل في القدرة على التشكيك فيها.

فالذكاء الاصطناعي قد يمنحك أفضل إجابة ممكنة…

لكنه لا يمنحك دائمًا أفضل سؤال.

ومن هنا، لا تعود المسألة صراعًا بين الذكاء الطبيعي والذكاء المصطنع.

بل تصبح مسألة تكامل.

من يفهم الأدوات ويستخدمها بوعي، سيضاعف قدراته.

ومن يعتمد عليها دون فهم، سيبدو ذكيًا… دون أن يكون كذلك.

لهذا، حين أقول إنني أشتري الذكاء يوميًا،

لا أقصد أنني أستبدل عقلي… بل أستثمر فيه.

أوسّع حدوده.

أختبره في بيئة مختلفة.

وأعيد تعريف ما يعنيه أن “أفكر”.

لكنني أدرك، أكثر من أي وقت مضى،

أن القيمة الحقيقية لم تعد في الوصول إلى الإجابة…

بل في القدرة على طرح السؤال الذي لا تستطيع الآلة أن تسأله.

في هذا العصر، لم يعد السؤال: هل أنت ذكي؟

بل: هل ما تستخدمه من ذكاء… يوسّع وعيك؟

أم يختصره؟

وهل تملك هذا الذكاء فعلًا…

أم أنك، دون أن تدري، بدأت تعتمد عليه أكثر مما يعتمد عليك؟

* كلية محمد بن راشد للإدارة الحكومية





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :