بين أنقرة وتل أبيب .. هل بدأت معركة رسم خرائط الشرق الأوسط؟
محمد نور الدباس
11-07-2026 10:48 PM
لم يعد التصعيد من قبل دولة الاحتلال الإسرائيلي ضد تركيا، ولا سيما ضد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، مجرد خلاف سياسي عابر أو تبادل للتصريحات الحادة، فما يجري اليوم يعكس تحولات استراتيجية عميقة في موازين القوى الإقليمية، ويكشف أن الصراع الحقيقي يدور حول من يرسم خريطة الشرق الأوسط في المرحلة المقبلة، وليس فقط حول ملفات قطاع غزة أو سوريا.
تدرك دولة الاحتلال الإسرائيلي أن البيئة الإقليمية التي تمتعت فيها بهامش واسع من حرية الحركة لعقود بدأت تتغير، فتركيا لم تعد تكتفي بدور الدولة الحدودية أو الشريك في حلف الناتو، بل أصبحت لاعبًا يسعى إلى امتلاك نفوذ سياسي وعسكري واقتصادي يمتد من البحر الأسود إلى شرق المتوسط، ومن القوقاز إلى شمال إفريقيا، مرورًا بسوريا والعراق.
وفي المقابل، تنظر أنقرة إلى ما يجري في سوريا باعتباره قضية أمن قومي لا تقبل المساومة، بينما ترى دولة الاحتلال الإسرائيلي أن أي وجود عسكري أو أمني تركي دائم بالقرب من حدودها الشمالية يمثل متغيرًا استراتيجيًا يستوجب الاحتواء، ومن هنا أصبحت الأراضي السورية ساحة التنافس الأكثر حساسية بين الطرفين، حيث يتحرك كل منهما لمنع الآخر من ترسيخ نفوذه.
ويذهب بعض المراقبين إلى تفسير هذا التوتر بأنه ناجم عن خشية دولة الاحتلال الإسرائيلي من "عودة الدولة العثمانية"، في ظل الوعود الأمريكية، إلا أن القراءة الأكثر واقعية تشير إلى أن دولة الاحتلال الإسرائيلي لا تخشى عودة الإمبراطورية العثمانية بصورتها التاريخية، فهذا أمر لا ينسجم مع معطيات النظام الدولي المعاصر، لكنها تخشى صعود الدولة التركية كقوة إقليمية قادرة على تغيير موازين القوة، وفرض معادلات جديدة تحد من التفوق لدولة الاحتلال الإسرائيلي التقليدي في المنطقة.
فالمسألة ليست تاريخًا يعاد إنتاجه، وإنما نفوذ يعاد تشكيله، ولذلك فإن كل خطوة تركية في سوريا، أو شرق المتوسط، أو العالم العربي، تُقرأ في تل أبيب باعتبارها جزءًا من مشروع توسع في النفوذ، حتى وإن قدمته أنقرة باعتباره دفاعًا عن مصالحها وأمنها القومي.
ويبقى السؤال الأهم في هذا الإطار؛ هل يمكن أن يتطور هذا الصراع إلى مواجهة عسكرية مباشرة؟ والاحتمال قائم نظريًا، لكنه ما يزال محدوداً عملياً، فتركيا عضو في حلف شمال الأطلسي، ودولة الاحتلال الإسرائيلي تدرك أن أي مواجهة مفتوحة معها ستفرض أثمانًا سياسية وعسكرية واقتصادية باهظة على الجميع، كما أن الولايات المتحدة لا تبدو معنية بإشعال حرب بين اثنين من أهم حلفائها في المنطقة.
ولهذا، فإن المشهد الأقرب إلى الواقع هو استمرار حرب الظل؛ منافسة استخباراتية، وضغوط دبلوماسية، ورسائل عسكرية غير مباشرة، وصراع على مناطق النفوذ داخل سوريا، مع الحرص المتبادل على عدم تجاوز الخطوط التي قد تفضي إلى حرب شاملة.
إن الشرق الأوسط يقف اليوم أمام مرحلة جديدة، لم تعد فيها الصراعات تُقاس فقط بعدد الدبابات والطائرات، بل بقدرة الدول على فرض نفوذها السياسي، وصناعة التحالفات، والتأثير في مستقبل الدول المجاورة، وفي هذا السياق، تبدو المنافسة بين تركيا ودولة الاحتلال الإسرائيلي إحدى أبرز معارك إعادة تشكيل النظام الإقليمي، وهي معركة قد تستمر سنوات طويلة، حتى وإن لم تُطلق فيها رصاصة واحدة بين الجيشين.
ولعل أخطر ما في هذا المشهد أن سوريا لم تعد مجرد ساحة نزاع داخلي، بل أصبحت ميدانًا لتقاطع مشاريع القوى الإقليمية والدولية، حيث تتنافس الطموحات وتتصادم المصالح، ومن يراقب هذا المشهد يدرك أن التصعيد من دولة الاحتلال الإسرائيلي ضد أردوغان ليس خلافاً شخصياً مع رئيس دولة، بل تعبير عن صراع أعمق على مستقبل الشرق الأوسط، وعلى هوية القوة التي ستقود توازناته في العقود القادمة.