facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




حراسة الفضاء الأخلاقي .. الأردن بين حرية الوسيط الرقمي وواجب صون القيم


د. بركات النمر العبادي
06-05-2026 04:02 PM

في لحظةٍ تتسارع فيها التحولات الرقمية على نحوٍ يكاد يتجاوز قدرة المجتمعات على التكيّف ، جاءت خطوة هيئة تنظيم قطاع الاتصالات في الأردن بحجب المواقع الإباحية ، بوصفها تعبيرًا عن وعيٍ متأخرٍ لكنه ضروري ، بأن الفضاء الرقمي لم يعد مجرد وسيطٍ محايد ، بل أصبح حقلًا فعّالًا لإعادة تشكيل الوعي والقيم والسلوك.

إن الفكرة الليبرالية التي طالما نظرت إلى الإنترنت باعتباره فضاءً حرًا بلا قيود ، تصطدم اليوم بحقائق أكثر تعقيدًا ؛ إذ لم يعد السؤال : هل نقيّد ؟ بل كيف نوازن بين الحرية بوصفها قيمة ، والانفلات بوصفه تهديدًا لبنية المجتمع ، وهنا يبرز الدور المحافظ ، لا بوصفه نقيضًا للحرية ، بل كإطارٍ يسعى إلى تهذيبها ، وإعادتها إلى سياقها الأخلاقي الذي يمنع تحوّلها إلى أداة تقويض ذاتي.

في السياق الأردني ، حيث تقوم الدولة على مرجعية هاشمية راسخة تستمد شرعيتها من تاريخٍ دينيٍّ وسياسيٍّ عميق ، لا يمكن فصل السياسات العامة عن مسؤولية صون القيم الجامعة للمجتمع ، فالأردن ، بما يحمله من توازنات دقيقة وتركيبة اجتماعية متماسكة ، لا يملك ترف الحياد الأخلاقي في فضاءٍ مفتوح بلا ضوابط ، ومن هنا ، فإن حجب المحتوى الإباحي لا يُفهم فقط كإجراء تقني ، بل كفعلٍ سيادي يعيد تأكيد دور الدولة كحارسةٍ للمعنى العام ، وللحدود الرمزية التي تحمي المجتمع من التآكل البطيء.

إن حماية النشء من التعرض لمحتوى يختزل الإنسان إلى بعدٍ غرائزي ، ليست وصايةً بقدر ما هي تعبير عن مسؤولية جماعية تفرضها فكرة المجتمع نفسها ، وتنسجم مع منظومة القيم التي شكّلت الهوية الأردنية عبر عقود.

وفي هذا الإطار، يعبّر حزب المحافظين الأردني عن دعمه وتثمينه لمثل هذه الإجراءات التي تصب في حماية المجتمع ، ويرى فيها خطوةً في الاتجاه الصحيح نحو استعادة التوازن بين الانفتاح الرقمي والضبط القيمي ، فالفكر المحافظ الأردني ، كما يتبناه الحزب ، لا يدعو إلى الانغلاق ، بل إلى انفتاحٍ منضبطٍ يحفظ الخصوصية الثقافية ويصون البنية الأخلاقية دون أن يعزل المجتمع عن العالم.

ومع ذلك ، فإن الرؤية المحافظة المتوازنة لا تقع في وهم الاكتفاء بالأدوات التقنية ، فالحجب ، مهما بلغت دقته ، يظل إجراءً ناقصًا إن لم يُستكمل ببناء مناعة داخلية لدى الفرد ، عبر التربية والتثقيف وتعزيز الوعي النقدي ، فالمجتمعات التي تعتمد على المنع وحده ، دون بناء الوعي ، تظل عرضةً للاختراق عند أول فرصة تقنية متاحة.

كما أن هذا المسار يفرض على المؤسسات الرسمية التزامًا مضاعفًا بالشفافية والدقة ، حتى لا يتحول الحجب من أداة حماية إلى مدخلٍ للتوسع غير المنضبط ، فالفكر المحافظ ، في جوهره ، لا يدافع عن السلطة المطلقة ، بل عن النظام المتوازن الذي يقيّد الانفلات دون أن يخنق المجال العام.

إن ما قامت به هيئة تنظيم قطاع الاتصالات يمكن قراءته كبداية لاستعادة التوازن في فضاءٍ اختلّت فيه المعايير، حيث لم يعد ممكنًا ترك الأجيال الناشئة في مواجهة تدفقات رقمية بلا مرجعية قيمية ، ورغم أن هذه الخطوة جاءت متأخرة ، إلا أن تأخرها لا يُفقدها قيمتها ، بل يؤكد الحاجة الملحّة إليها.

في النهاية ، لا تُقاس قوة المجتمعات بمدى انفتاحها غير المشروط ، بل بقدرتها على إقامة توازنٍ دقيق بين الحرية والمسؤولية ، بين الحق في الوصول وواجب الحماية ، وفي هذا التوازن تحديدًا ، يتجلى المعنى الأعمق للدولة الأردنية ، لا كسلطةٍ تفرض ، بل كإطارٍ يصون ، ويحمي ، ويهدي المسار دون أن يصادره.

حمى الله الاردن من كل كريهة

* حزب المحافظين الاردني - مساعد الامين العام للتثقيف الحزبي





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :