حين يتوارى المنصب ويعلو الأثر
د. محمد خالد العزام
07-05-2026 09:02 AM
ليس كل حضور يحتاج إلى تعريف بالمسميات، ولا تنحصر أي سيرة في عناوين المناصب. فهناك رجال تقرأ أدوارهم من بصمتهم لا من بطاقاتهم الوظيفية. ومكرم القيسي واحد من أولئك الذين إذا ذُكروا، حضر المعنى قبل اللقب، وارتسم الأثر قبل أن تُسرد التفاصيل.
في بداياته، لم يكن مكرم القيسي يسعى إلى الواجهة بقدر ما كان يتقن صناعة ما وراءها. هناك، حيث تُدار الصورة بصمت وتُبنى الرسائل بحذر، تشكلت ملامح رجل أدرك أن الدولة لا تُبنى بالقرارات الصاخبة، بل بالدقة التي تسبقها. كان قريباً من مركز النبض، يلتقط الإيقاع، ويحسن ترتيب اللحظة لتظهر طبيعية، رغم أنها نتاج جهد لا يُرى.
ومع اتساع التجربة، بدا وكأنه ينتقل من هندسة التفاصيل إلى صياغة المشهد بأكمله. صار حضوره أشبه بخيط خفي يشد أطراف الصورة إلى توازنها، فلا يطغى شكل على مضمون، ولا يغيب معنى خلف مظهر. تلك القدرة على الإمساك بالجوهر دون الانشغال بالقشور هي ما جعلت أثره يتجاوز حدود الدور إلى عمق الفكرة.
عندما انفتح على الفضاء الدولي، لم يتبدّل جوهره، بل اتسع أفقه. كان صوته هادئاً لكنه مسموع، واثقاً لكنه غير متكلّف. أدرك أن الدبلوماسية ليست سباقاً في العناوين، بل اختبار في إدارة الصمت بقدر ما هي في نطق الكلمات. فاختار أن يعبّر عن بلاده بلغة موزونة، تُقاس فيها العبارة بمدى قدرتها على بناء الثقة، لا بإحداث الضجيج.
في الملفات الدقيقة، حيث تتشابك المصالح وتتقاطع الحسابات، برزت قدرته على قراءة ما وراء السطور. لم يكن ينتظر اكتمال المشهد ليتحرك، بل كان يلتقط إشاراته الأولى فيتقدّم بخطوة تسبق التعقيد. وهنا تتجلى سمة نادرة: أن تكون جزءاً من الحل قبل أن تتشكل المشكلة، وأن تدير الاحتمال كما لو كان واقعاً.
أما في المحافل التي يختلط فيها السياسي بالثقافي، فقد بدا حضوره مزيجاً من الصلابة والرهافة؛ صلابة تحمي الثوابت، ورهافة تفتح نوافذ الحوار. لم يكن يرى في الانفتاح تنازلاً، ولا في التمسك جموداً، بل كان يوازن بينهما كما يوازن العازف بين نغمتين ليصنع انسجاماً لا نشاز فيه.
وإذا كانت الأوسمة تُمنح عادةً لتكريم الإنجاز، فإنها في حالته تبدو أقرب إلى اعتراف متكرر بما يصعب اختزاله. تعدّدت الشواهد وتنوّعت مصادرها، لكنها اجتمعت على معنى واحد: أن هذا الرجل لم يكن عابراً في المشهد، بل كان جزءاً من صناعته.
في الخلاصة، لا يحتاج مكرم القيسي إلى سرد ما تولاه بقدر ما يحتاج إلى قراءة ما تركه. فهناك، في المسافة بين الفعل وصداه، تتجلى حقيقته. رجل لا يُعرف بالموقع، بل بما يضيفه إليه؛ ولا يُقاس بما شغله من كراسٍ، بل بما رفعه من معايير. إنها سيرة تُكتب بحبر خفي، لكن أثرها باقٍ، يُرى في اتزان الصورة، وفي ذلك الهدوء الذي لا يصنعه إلا من يعرف تماماً ماذا يفعل ولماذا يفعل.