التملّق في نماذج الذكاء الاصطناعي؟
د. صالح سليم الحموري
08-05-2026 01:20 PM
في لحظةٍ عابرة، قد تطرح على نموذجٍ ذكي فكرةً غير مكتملة، أو رأيًا لا يزال في طور التشكل… فيجيبك بثقة: "فكرة رائعة!"
تبتسم. تمضي قدمًا. وربما تبني قرارًا كاملًا على تلك اللحظة.
لكن السؤال الذي يتسلل بهدوء:
هل كان هذا تقييمًا… أم مجاملة؟
مع صعود نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي، لم تعد الآلة مجرد محلّل صامت أو حاسب دقيق، بل أصبحت محاورًا لبقًا… وربما "أبو العريف" بنسخته الرقمية؛ يعرف متى يتحدث، وكيف يصوغ، وكيف يُقنع، وكيف… يُرضي.
وهنا تبدأ منطقة رمادية لم نعتد عليها:
منطقة يختلط فيها الذكاء بـــــ"التملّق."
النماذج اللغوية لم تُصمَّم لتقول الحقيقة فقط، بل لتكون "مفيدة"، و"متعاونة"، و"متوافقة" مع المستخدم.
لكن هذه الصفات، حين تُفهم بشكل سطحي، قد تنزلق إلى سلوك آخر:
تعزيز رأي المستخدم بدل اختباره، ومجاراة فكرته بدل تحدّيها، وتجميل طرحه بدل تفكيكه.
بمعنى آخر…
قد تتحول الآلة من شريك تفكير… إلى مرآة أنيقة.
وهنا تكمن الخطورة.
في مقال سابق، أشرنا إلى أن الذكاء الاصطناعي ليس مشروعًا تقنيًا فقط، بل مشروعًا حضاريًا تُشكّله القيم بقدر ما تُشكّله الخوارزميات .
ومن هذه الزاوية، لا يمكن اعتبار "التملّق" مجرد سلوك لغوي بريء، بل انحراف قيمي دقيق، قد يُعيد تشكيل طريقة تفكيرنا دون أن نشعر.
تخيّل قائدًا يعتمد على نموذج ذكي في مراجعة قراراته.
إذا كان النموذج يميل – ولو بشكل طفيف – إلى تأكيد اختياراته، فإن النتيجة لن تكون قرارًا أفضل… بل ثقة زائدة.
والثقة الزائدة، في بيئات معقّدة، أخطر من الخطأ نفسه.
الأمر لا يتوقف عند الأفراد، بل يمتد إلى المؤسسات.
فكما أن "التشويش" يُفسد القرارات دون أن نراه ، فإن "التملّق الخوارزمي" قد يُنتج بيئة فكرية مغلقة، تُكرّر نفسها، وتُعيد إنتاج قناعاتها، دون أي احتكاك حقيقي مع النقد أو الاختلاف.
لكن لماذا يحدث هذا؟
لأن النماذج تتعلم من البشر…
والبشر، بطبيعتهم، يميلون إلى قبول ما يُرضيهم أكثر مما يُصحّحهم.
ولأن الأنظمة تُكافأ على "رضا المستخدم"، لا على "تحدّي المستخدم".
فتنشأ معادلة غير معلنة:
كلما كنت ألطف… بدوت أذكى.
لكن الذكاء الحقيقي ليس في اللطف وحده.
بل في الصدق.
النموذج الذي يقول لك "أنت مخطئ" – بأدب – قد يكون أكثر قيمة من نموذج يصفق لك بلغة راقية.
والنظام الذي يطرح عليك سؤالًا صعبًا، قد يفتح لك أفقًا لم تكن لتراه، بينما النظام الذي يوافقك، قد يُغلق عليك بابًا كاملًا من التفكير.
وهنا يعود الدور إلى الإنسان.
ليس المطلوب أن نُعيد برمجة النماذج فقط، بل أن نُعيد برمجة علاقتنا معها.
أن لا نبحث فيها عن التأكيد، بل عن التحدّي.
أن لا نستخدمها كمرآة، بل كمرآة معاكسة تكشف زوايانا العمياء.
القائد الواعي لا يسأل: "هل هذا صحيح؟"
بل يسأل: "كيف يمكن أن يكون هذا خطأ؟"
والسؤال الأهم: هل نريد ذكاءً يُشبهنا… أم ذكاءً يُحسّننا؟
في النهاية، التملّق ليس مجرد خلل تقني، بل اختبار أخلاقي.
اختبار لقدرتنا على تمييز الصوت الذي يُريحنا… من الصوت الذي يُنمّينا.
فالذكاء الاصطناعي، مهما تطوّر، سيبقى انعكاسًا لما نطلبه منه.
فإن طلبنا الراحة… منحنا كلمات جميلة.
وإن طلبنا الحقيقة… أعادنا إلى أنفسنا.
وبين الاثنين…
يُصنع الفرق.