facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




فيصل الفايز… حين تُغتال المعاني خارج سياقها وتبقى الحكمة أعلى من الضجيج


د. محمد خالد العزام
08-05-2026 03:15 PM

في زمنٍ باتت فيه المقاطع المقتطعة أشبه بخناجر صغيرة تُغرس في خاصرة الحقيقة، لم يعد الخطر في الكلمة ذاتها، بل في اليد التي تنتزعها من سياقها لتلبسها ثوباً لم يُفصّل لها.

وهكذا وجد دولة فيصل الفايز نفسه أمام موجةٍ من التأويل المجتزأ، بعد أن اقتُطعت جملة من خطابٍ دولي عميق المعاني، لتُرمى في فضاء وسائل التواصل مبتورةً من روحها، وكأن المقصود ليس النقاش، بل صناعة التشويش.

فالذين تداولوا عبارة: “ما نقوم به سيقودنا إلى التهلكة، فنحن لا نشعر بالنعمة التي نعيشها” حاولوا تقديمها وكأنها خطاب تشاؤم أو جلد للواقع، بينما الحقيقة أن الرجل كان يتحدث من منصة دولية عن جنون الحروب، وعن عالمٍ ينفق تريليونات الدولارات على صناعة الموت، فيما يترك الفقر والجوع والتغير المناخي يلتهمون الإنسان كما تلتهم النار هشيم الحقول اليابسة.

ومما لا شك فيه إن القراءة الأمينة لكلمة الفايز تكشف أننا أمام خطاب سياسي وإنساني متزن، لا أمام تصريح عابر.
فقد تحدث دولته بلغة رجل دولة له خبره بخفايا السياسة وعرف أن الأمن الحقيقي لا يُبنى بالصواريخ وحدها، بل ببناء الإنسان، وبترسيخ العدالة، وبحماية الأرض التي وصفها بـ”الأرض الأم”.

وهذه ليست استعارة عابرة، بل رؤية أخلاقية تُعيد تعريف السياسة باعتبارها مسؤولية حضارية لا مجرد إدارة مصالح.

لقد كان دولة الفايز في خطابه أقرب إلى حكيمٍ يقف على شرفة العالم محذراً من اتساع النار، لا سياسياً يبحث عن الإثارة.
وحين تساءل دولته عن جدوى إنفاق 2.3 تريليون دولار على التسلح، لم يكن يهاجم دولة بعينها، بل كان يقرع جرس الإنسانية كلها، وكأنه يقول إن البشرية تسير أحياناً كمن يحمل الماء بيدٍ ويشعل الحريق بالأخرى.

وما يزيد المشهد وضوحاً أن الخطاب بأكمله كان يتمحور حول الدبلوماسية البرلمانية بوصفها جسراً للحوار، لا منصة للصدام.
فقد أكد دولة الفايز أن البرلمانات لم تعد مجرد مؤسسات تشريعية جامدة، بل أصبحت صوت الشعوب ومرآة تطلعاتها، وأن الدبلوماسية البرلمانية قادرة على ترميم ما تهدمه الصراعات السياسية.

وهنا تظهر خبرة دولة الفايز السياسية ؛ فهو لا يتحدث بمنطق الشعارات، بل بمنطق الدولة التي تعرف قيمة الاستقرار وسط إقليم يموج بالعواصف.

ولعل أكثر ما يلفت في كلمة دولة الفايز أنه لم يتحدث بلسان أردني ضيق، بل بلسان إنساني واسع.
فمن القضية الفلسطينية إلى التغير المناخي، ومن مكافحة الفقر إلى حماية المؤسسات الديمقراطية، بدا الخطاب وكأنه خارطة أخلاقية لعالمٍ يبحث عن توازن مفقود.
وهذا ما يجعل اجتزاء بعض العبارات من سياقها محاولة لتغييب الصورة الكاملة، تماماً كمن يقتطع نجمة من السماء ثم يدّعي أن الليل بلا قمر.

إن الدفاع عن فيصل الفايز هنا ليس دفاعاً عن شخص بقدر ما هو دفاع عن المعنى، وعن حق الكلمة أن تُقرأ كاملة لا مبتورة. فالرجل لم يكن يبشر بالهلاك، بل كان يحذر منه؛ ولم يكن يهاجم النعمة، بل يدعو إلى صونها؛ ولم يكن ينشر اليأس، بل كان يطالب العالم بأن يستيقظ قبل أن يتحول الخراب إلى لغةٍ يومية على خرائط البشر.

وفي السياسة كما في الأدب، هناك فرقٌ شاسع بين من يقرأ السطور ومن يفهم ما بين السطور.
أما دولة فيصل الفايز، فقد تحدث بلغة السياسي الذي يعرف أن السلام ليس رفاهية، وأن الاستقرار ليس صدفة، وأن الأوطان التي تحافظ على اعتدالها وسط الضجيج تستحق أن تُصان من حملات الاقتطاع والتشويه.

سيبقى الخطاب الحقيقي أقوى من المقاطع المجتزأة، لأن الحقيقة – مهما حوصرت – تمتلك دائماً القدرة على النجاة، كما تنجو الشمس كل صباح من عتمة الليل الطويل.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :