facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




خطاب الكراهية واشكالية تفكيك الوعي المجتمعي


فيصل تايه
09-05-2026 10:30 AM

تشكل تصريحات وزير الاتصال الحكومي الدكتور محمد المومني الأخيرة حول خطاب الكراهية نقطة ارتكاز مهمة في النقاش العام، ليس فقط لأنها تناولت الجانب القانوني أو الإعلامي، بل لأنها وضعت اليد على جوهر المشكلة: التحولات العميقة التي يشهدها الفضاء الرقمي وتأثيره المباشر على السلم المجتمعي وثقة المواطن بالمؤسسات.

وإذا كانت هذه التصريحات قد أعادت فتح النقاش حول خطورة خطاب الكراهية، فإن الأهم من ذلك هو فهم البيئة الجديدة التي بات هذا الخطاب يتكاثر داخلها ويتحول عبرها إلى قوة تأثير تتجاوز حدود الكلمات التقليدية.

المسألة لم تعد تتعلق بخطاب يُكتب أو منشور يُنشر، بل ببيئة كاملة تُعاد فيها صياغة الوعي العام عبر الشاشات الصغيرة التي باتت تتحكم بإيقاع النقاش العام؛ وفي هذا الفضاء المفتوح، لم تعد الكلمة مجرد رأي، بل أداة تأثير قد تُعيد تشكيل الإدراك الجمعي، وتُنتج اصطفافات اجتماعية أكثر خطورة من الخلافات التقليدية، وهو ما يضعنا أمام استحقاق وطني يستوجب استحضار الرؤى الملكية السامية التي طالما حذرت من العبث بالنسيج الوطني، وأكدت في الأوراق النقاشية أن "المواطنة الفاعلة" هي الحصن المنيع للدولة.

ومن هنا، لم يعد الحديث عن خطاب الكراهية شأناً أخلاقياً أو إعلامياً فحسب، بل قضية ترتبط مباشرة بإعادة تعريف مفاهيم الانتماء والهوية داخل المجتمع ، لذلك فإن تحذير الوزير من خطورة الممايزة بين الأردنيين على أساس الأصل والمنبت والعرق والدين يضعنا أمام جوهر الإشكالية؛ فحين يُعاد تعريف الانتماء خارج إطار المواطنة الجامعة، يصبح المجتمع مهدداً بالانقسام الداخلي، وتتحول الهويات الفرعية إلى خطوط تماس بدل أن تبقى تنوعاً طبيعياً ضمن إطار الدولة، وهنا تبرز الحاجة لتكريس مفهوم "السيادة الإدراكية" كجزء لا يتجزأ من الأمن القومي.

وفي سياق هذا التحول العميق، يصبح من الضروري قراءة المشهد ضمن الإطار الأوسع الذي يحكم طبيعة الصراعات الحديثة وأدواتها الجديدة ، فالعالم اليوم يعيش مرحلة متقدمة من الصراع تُعرف بـ"الحرب الإدراكية"، حيث لم تعد المواجهات تُخاض على حدود الجغرافيا فقط، بل في عمق العقول والوعي الجمعي، بعدما أصبحت الحقيقة نفسها ساحةً للاشتباك ومحلاً لإعادة التشكيل والتوجيه، حيث هذا النمط يقوم على اختراق الإدراك الإنساني عبر الإعلام والمنصات الرقمية، وتوظيف وحدات استخبارات سيبرانية تعمل ضمن منظومة معقدة من "الحرب المعلوماتية" التي لا تستهدف المعلومة بحد ذاتها، بل طريقة فهمها وتفسيرها وتداولها داخل المجتمعات، بهدف إنهاك الثقة الوطنية وزرع الشك في مؤسسات الدولة وإرباك البوصلة العامة، خصوصاً في ظل استهداف ممنهج تمارسه دول معادية وجهات ذات أجندات مشبوهة ومشوّهة تسعى لبث الفرقة والضغينة داخل نسيج الشعب الواحد، وضرب حالة التماسك المجتمعي من الداخل.

ومع التسليم بحجم الاستهداف الخارجي وتعقيد أدواته، إلا أن قوة المجتمعات لا تُقاس فقط بحجم التهديدات التي تواجهها، بل بقدرتها الداخلية على التماسك واحتواء محاولات الاختراق ، غير أن اختزال الأزمة بالعامل الخارجي وحده يبقى قراءةً ناقصة؛ فالمجتمعات التي تتآكل مناعتها الداخلية تصبح أكثر قابلية لمحاولات الاختراق مهما اختلفت أدوات التأثير ومصادره، إلا أن المجتمع الأردني، بما يمتلكه من وعيٍ راسخ وتماسكٍ اجتماعي وترابطٍ وطني عميق، أثبت عبر مختلف المراحل والظروف أنه عصيٌّ على التفكك والانقسام، وأن محاولات بث الفتنة والضغينة بين أبنائه ستبقى رهينة الفشل مهما تعددت الجهات المحرّضة أو تضخمت أدواتها الإعلامية والرقمية، فحين تتسع الفجوة بين الواقع والخطاب العام، يتحول الفضاء الرقمي إلى ساحة مفتوحة للفوضى والتأويلات والانقسامات، وتصبح الشائعة أسرع من الحقيقة، والصخب أعلى من صوت العقل، غير أن وعي الأردنيين وإدراكهم لطبيعة هذه الاستهدافات يبقى السدّ المنيع في وجه كل محاولات العبث بأمن الوطن واستقراره، فتتكسر على صخرة وحدتهم كل رهانات التشكيك والتفكيك.

ومن هنا تحديداً، تنتقل المسؤولية من دائرة التشخيص والتحذير إلى مساحة الفعل الوطني المشترك القادر على تعزيز المناعة المجتمعية وترسيخ ثقافة الوعي ، وهنا يبرز الدور المحوري والمستعجل لـ مؤسسات الدولة وعلى رأسها التربية والتعليم، ومؤسسات المجتمع المدني، ومنابر الوعي الديني والإعلامي؛ فالمواجهة لا يمكن أن تكون أمنية بحتة، بل هي معركة تشاركية تهدف إلى "وحدة الصف"، حينها يبرز خطباء المساجد في منابرهم، وعلى الإعلاميين في لقاءاتهم وحواراتهم، وعلى التربويين مدارسهم وفي ندواتهم، كلها تمسي مسؤولية وطنية كبرى تعزز الخطاب التوعوي الذي ينبذ الكراهية ويرسخ قيم التسامح واللحمة الوطنية كركيزة أساسية لبناء الشخصية الواعية.

لكن أي معالجة حقيقية لهذا الملف تبقى مرتبطة بقدرتنا على تحقيق التوازن بين حماية المجتمع وصون الحريات العامة ضمن إطار المسؤولية الوطنية ، فالتحدي الحقيقي اليوم ليس في منع الكلام، بل في إدارة أثره؛ فحرية التعبير حين تنفصل عن المسؤولية تتحول إلى فوضى، كما أن ضبطها بشكل مفرط قد يخلق فراغاً يُملأ بمصادر غير موثوقة، وبين هذين الحدّين تكمن المعادلة الدقيقة التي تواجهها الدولة والمجتمع معاً في خندق واحد.

وأمام هذا التحدي المركب، يبدو الأردن اليوم أمام اختبار وعي جماعي يتطلب وضوح الرؤية وصلابة الموقف في مواجهة الفوضى الرقمية المتنامية ، ففي ظل هذه المعادلات المتشابكة، تبقى المعركة الحقيقية أبعد من مجرد مواجهة خطاب عابر أو منشور مؤقت، لأنها ترتبط بصورة الدولة والمجتمع معاً في المستقبل.

وفي النهاية، فإن معركة خطاب الكراهية ليست معركة كلمات، بل معركة على شكل المجتمع القادم، وعلى طبيعة العلاقة بين الإنسان والدولة؛ هي معركة وعي وهوية ومستقبل نذود فيها عن "الوطن-الرسالة" ليبقى الأردن، كما كان دوماً، وطناً عصياً على الفتنة، قوياً بتلاحم شعبه، وراسخاً بحكمة قيادته الهاشمية التي هي صمام الأمان والبوصلة نحو غدٍ آمن ومستقر.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :