بشر الخصاونة .. حين قاد السفينة الأردنية وسط أمواج الإقليم العاتية
محمد خير النعسان
09-05-2026 05:17 PM
في الأزمنة التي تتكاثر فيها العواصف حول الأوطان، لا يكون المطلوب من رجل الدولة أن يرفع صوته بقدر ما يُطلب منه أن يرفع منسوب الحكمة، وأن يُمسك دفة السفينة بثباتٍ فيما البحر من حوله يغلي بالتحولات والاضطرابات. وهكذا بدا دولة بشر الخصاونة حين تسلّم رئاسة الوزراء في مرحلةٍ كانت المنطقة بأسرها تسير فوق حواف القلق، فيما الأردن يقف كعادته في قلب الجغرافيا الملتهبة، حارسًا لتوازنٍ دقيق بين الحكمة والسيادة والاستقرار.
لم يكن وصول الخصاونة إلى الدوار الرابع مجرّد انتقالٍ إداري في بنية الدولة، بل كان أشبه باستدعاء رجلٍ يعرف دهاليز السياسة كما يعرف المزارعُ تضاريس أرضه. فقد جاء محمّلًا بخبرةٍ دبلوماسية وقانونية وسياسية طويلة، جعلته يدرك منذ اللحظة الأولى أن إدارة الدولة في تلك المرحلة ليست ترفًا سياسيًا، بل امتحانًا يوميًا للصبر والحنكة والقدرة على امتصاص الصدمات دون أن تهتز صورة الدولة أو تتصدع مؤسساتها.
ومنذ الأيام الأولى لتوليه المسؤولية، كان المشهد الإقليمي يشتعل من أكثر من جهة؛ أزمات اقتصادية تضرب العالم، وتوترات سياسية تعصف بالإقليم، وتداعيات جائحة أثقلت كاهل الحكومات والشعوب، فيما الأردن مطالبٌ بأن يبقى واقفًا كالسنديانة، لا تنحني رغم الرياح. وهنا ظهر أسلوب الخصاونة الهادئ، ذلك الهدوء الذي يشبه عمق البحر؛ لا ضجيج فيه، لكنه يخفي قدرةً كبيرة على احتواء العواصف.
لقد أدرك الرجل أن الدولة لا تُدار بردود الأفعال، بل ببناء التوازنات الدقيقة بين الداخل والخارج، بين ضرورات الاقتصاد ومتطلبات الاستقرار الاجتماعي، وبين حماية المواطن والحفاظ على هيبة المؤسسات. لذلك، اتجه إلى إدارة المشهد بعقلية الدولة لا بعقلية اللحظة، فكان حريصًا على أن تبقى مؤسسات الأردن تعمل بتناغم، كأنها أوركسترا وطنية يقودها مايسترو يعرف متى يرفع الإيقاع ومتى يخفضه.
وفي خضم جائحة كورونا، واجهت حكومته امتحانًا استثنائيًا لم تعرفه الحكومات الحديثة من قبل. كانت القرارات تُصنع تحت ضغط الخوف العالمي، فيما المواطن ينتظر من الدولة طمأنينةً قبل أي شيء آخر. وبين الإغلاقات والتحديات الصحية والضغوط الاقتصادية، حاولت الحكومة أن تسير فوق خيطٍ رفيع؛ فلا تُهمل صحة الناس، ولا تترك الاقتصاد يسقط في هاوية الانكماش. وقد بدا الخصاونة في تلك المرحلة أقرب إلى رجل الإطفاء الذي ينتقل بين النيران دون أن يسمح للحريق بأن يلتهم البيت الأردني.
أما سياسيًا، فقد حافظ الأردن في عهده على ثوابته التقليدية تجاه قضايا المنطقة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، حيث بقي الصوت الأردني واضحًا في الدفاع عن القدس والوصاية الهاشمية وحقوق الشعب الفلسطيني. ولم يكن ذلك مجرد موقفٍ سياسي عابر، بل امتدادًا لدور الدولة الأردنية التي تعرف أن الجغرافيا لا تمنحها رفاهية الحياد تجاه ما يحدث حولها.
وعلى المستوى الإقليمي، اتسم أداء الخصاونة بالهدوء الدبلوماسي البعيد عن الاستعراض، فالأردن في تلك المرحلة كان يحتاج إلى لغة العقل أكثر من لغة الضجيج. ولهذا، تحركت الحكومة ضمن رؤيةٍ تحافظ على علاقات المملكة الإقليمية والدولية، وتُبقي الأردن حاضرًا كدولة اتزانٍ في منطقةٍ تتسابق فيها الانفعالات قبل المصالح.
وفي الداخل، لم تكن التحديات أقل قسوة؛ فالأعباء الاقتصادية كانت ثقيلة، والشارع الأردني يئن تحت وطأة البطالة وارتفاع الأسعار، فيما العالم بأسره يعاني من اضطرابات سلاسل التوريد وارتفاع كلف الطاقة والغذاء. وبين هذه الملفات المعقدة، حاول الخصاونة أن يُبقي الدولة في منطقة الأمان، مستندًا إلى خطابٍ هادئ لا يعتمد على الشعبوية، بل على الواقعية السياسية والإدارية.
ولعلّ ما ميّز تجربته في رئاسة الوزراء أنه لم يكن من أصحاب الخطابات الصاخبة أو الحضور المسرحي، بل من مدرسة رجال الدولة الذين يؤمنون بأن الإنجاز الحقيقي لا يحتاج إلى ضجيجٍ دائم. كان يتحرك بهدوء القاضي الذي يزن الأمور بميزانٍ دقيق، مدركًا أن الأردن ليس دولةً تحتمل المغامرات أو القرارات الارتجالية، بل وطنٌ يقوم على الحكمة والتدرج وحسابات التوازن الدقيقة.
وحين تُقرأ مرحلة بشر الخصاونة اليوم، فإنها تبدو كفصلٍ سياسي كُتب في زمنٍ بالغ التعقيد؛ زمنٍ كانت فيه المنطقة تضج بالتحولات، فيما الأردن مطالبٌ بأن يبقى ثابتًا فوق أرضٍ تهتز من حوله. وقد نجح الرجل، إلى حدٍ بعيد، في أن يحافظ على صورة الدولة المتماسكة، وأن يُدير المرحلة بعقل الدولة لا بانفعال اللحظة، فبقي الأردن، رغم كل ما أحاط به، واقفًا كقلعةٍ تعرف كيف تواجه الريح دون أن تنطفئ قناديلها.