نحو مقاربة قانونية عادلة لقضايا الإرث للمسيحيين في الأردن
المحامي ليث حداد
09-05-2026 07:36 PM
* بين مبدأ المساواة والحق في تنظيم الأحوال الشخصية
في مستهل هذا الطرح، أُعلن موقفي المؤيد لمشروع قانون الأحوال الشخصية الذي كان قد طُرح سابقاً لتنظيم شؤون المسيحيين في المملكة، والذي لم يرَ طريقه إلى الإقرار حتى تاريخه، رغم ما انطوى عليه من معالجة تشريعية متكاملة ومتوازنة. وفي المقابل، فإن ما يُتداول حالياً من توجهات لحصر التعديل في إطار الوصية فقط قد يرى البعض أنه حلاً مؤقتاً، ولكن براي الشخصي يُعدّ نهجاً تشريعياً قاصراً ومجتزأً، يرتقي إلى مرتبة القصور التشريعي، لعدم معالجته المسألة محل التنظيم معالجة شاملة، وبما يخلّ بجوهر الغاية من التدخل التشريعي.
كما أن هذا الطرح، بصيغته الحالية، قد ينطوي على إخلال بمبدأ المساواة أمام القانون، إذا ما أفضى إلى استمرار تفاوت غير مبرر في تنظيم الحقوق الإرثية ضمن إطار لا يعكس الخصوصية القانونية للمسيحيين بوصفهم جزءاً أصيلاً من النسيج الوطني، ولا يحقق العدالة الموضوعية بين أفراده. ويُخشى كذلك أن يُفسَّر هذا التقييد في نطاق التعديل على أنه انحراف في استعمال السلطة التشريعية، متى ما ثبت أن الغاية من التنظيم جاءت مبتورة أو غير متناسبة مع الهدف المشروع الذي يفترض أن يبتغيه المشرّع.
وانطلاقاً من أحكام الدستور الأردني، ولا سيما ما كفله من حرية ممارسة الشعائر الدينية وحق المواطنين في تنظيم شؤونهم الشخصية وفق معتقداتهم ، فإن من المستقر فقهاً وقضاءً أن هذا الحق لا يقتصر على الجوانب الشكلية أو الجزئية، بل يمتد ليشمل بناء منظومة قانونية متكاملة تعالج مختلف المسائل الشخصية، وفي مقدمتها أحكام الإرث، بصورة شاملة ومنسجمة.
إن أي معالجة جدية لهذا الملف لا يمكن أن تنطلق من افتراضات تمثيلية غير دقيقة، أو من ادعاءات احتكار الرأي. فالحقيقة القانونية والمجتمعية أن التعدد في الآراء أمر طبيعي وصحي، ويجب أن يُبنى عليه أي توجه تشريعي، لا أن يُختزل أو يُقيد ضمن إطار ضيق.
ومن زاوية دستورية، فإن مبدأ المساواة لا يُفهم بوصفه توحيداً قسرياً للأنظمة القانونية، وإنما بوصفه ضماناً لعدالة التطبيق وتكافؤ الحماية القانونية. وعليه، فإن إقرار قانون أحوال شخصية خاص بالمسيحيين لا يشكل خروجاً عن هذا المبدأ، بل هو تطبيق سليم له ضمن إطار احترام التنوع الديني والاجتماعي الذي كفله الدستور ذاته.
كما أن الاختلاف في وجهات النظر حول قضايا الإرث لا يُعدّ موضع خلل، بل يعكس حيوية المجتمع، ويؤكد وجود مساحة يجب تعزيزها للنقاش المسؤول والمنظم، بما يخدم الوصول إلى حلول متوازنة وعادلة.
ومن هنا، فإن من حق كل مواطن أن يُعبّر عن موقفه في أي نقاش يتعلق بتعديل أو تفسير أو تطبيق قانون يمس حقوقه الشخصية، دون إقصاء أو وصاية. ولا يجوز حصر هذا الحق في جهة بعينها، أو اختزاله في مواقف لا تعكس التعدد القائم في المجتمع.
وانطلاقاً من هذه المبادئ، يبرز اقتراح عملي يمكن أن يسهم في تجاوز حالة الجدل، يتمثل في إجراء استفتاء مجتمعي منظم حول القضايا محل الخلاف، وبإشراف جهات محايدة، وبمشاركة مؤسسات المجتمع، بما يضمن تمثيلاً حقيقياً للإرادة العامة.
إن الهدف من هذا الطرح ليس نقل السلطة التشريعية إلى الشارع، وإنما توفير مؤشر موضوعي يساعد صانع القرار على بناء مواقفه على أسس واقعية، بعيداً عن الادعاءات غير المثبتة.
كما أن نتائج مثل هذا الاستفتاء، أياً كانت، ستسهم في ترسيخ مبدأ القبول بنتيجة الأغلبية، مع الالتزام في الوقت ذاته بحماية حقوق من يخالفون هذا الرأي، بما ينسجم مع القيم الدستورية ومبادئ العدالة.
ختاماً، فإن معالجة قضايا الإرث للمسيحيين في الأردن تتطلب مقاربة متوازنة، تجمع بين احترام الخصوصية الدينية، والالتزام بالمبادئ الدستورية، وفي مقدمتها المساواة وسيادة القانون. ولا يمكن تحقيق ذلك إلا من خلال فتح المجال أمام جميع الأصوات، واعتماد آليات تعبير ديمقراطية حقيقية، تعكس الإرادة الجماعية بعيداً عن أي احتكار أو إقصاء.
إن الطريق نحو العدالة لا يُبنى بالصوت الأعلى، بل بالصوت الأوسع.
* نائب رئيس / الهيئة الإدارية بالنادي الأرثوذكسي
* عضو عامل في جمعية الثقافة والتعليم الارثوذكسية
* عضو مزاول في نقابة المحامين منذ عام ٢٠٠٣