في زمن مضى كانت الحروب تخاض على الأرض والثروات والحدود، أما اليوم فقد انتقلت المعركة إلى مساحة أكثر تعقيدا وخطورة: الوعي الإنساني. فلم تعد وسائل التواصل الاجتماعي مجرد منصات للتفاعل والترفيه، بل تحولت إلى قوى ناعمة تعيد تشكيل طريقة تفكيرنا، وتؤثر في مشاعرنا، وتعيد هندسة علاقتنا بأنفسنا وبالآخرين.
المفارقة التي تستحق التوقف أن الإنسان صمم الخوارزميات لتفهمه، ثم اكتشف متأخرا أنها أصبحت تعيد تشكيله.
في كل مرة نضغط فيها زر الإعجاب، أو نتوقف أمام مقطع مثير، أو نشارك منشورا غاضبا، تعمل الخوارزميات بصمت على جمع إشارات دقيقة عن مخاوفنا ورغباتنا وانفعالاتنا، ومع الوقت لم تعد هذه المنصات تكتفي بعرض ما نحب، بل بدأت تصنع ما نحب وما نكره، وما نخاف منه أيضا.
بطبيعة الحال سيدافع كثيرون عن هذه المنصات باعتبارها مجرد أدوات تعكس اهتمامات المستخدمين لا أكثر. لكن السؤال الأعمق: هل الرغبات التي نعبر عنها رقميا هي رغباتنا الأصلية فعلا، أم أنها خضعت تدريجيا لإعادة توجيه وتحفيز عبر آليات غير مرئية؟
خذ مثالا بسيطا: قد لا يكون شخص ما مهتما بالشأن السياسي اصلا، لكن بعد مشاهدته المتكررة لمقاطع غاضبة ومشحونة حول قضية معينة، يجد نفسه بعد أيام يتبنى موقفا حادا تجاه موضوع لم يكن يفكر فيه من قبل. هنا يصعب التمييز بين القناعة الحرة والقناعة التي جرى تشكيلها تدريجيا عبر التدفق المستمر للمحتوى.
الأخطر أن العالم دخل ما يمكن تسميته بـ”الاقتصاد العاطفي”، حيث أصبحت المشاعر نفسها مادة استثمارية؛ فالغضب يحقق انتشارا أسرع، والخوف يجذب تفاعلا أكبر، والانقسام يرفع نسب المشاهدة، ولهذا تميل المنصات الرقمية – بصورة مباشرة أو غير مباشرة – إلى تغذية المحتوى الأكثر إثارة، لأنه الأكثر ربحا في سوق الانتباه العالمي.
ولعل ما يزيد القلق أن دراسة لمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) أشارت إلى أن الكذب ينتشر أسرع من الحقيقة ب 6 مرات وبفارق كبير في سرعة الوصول إلى 1500 شخص عبر المنصات الرقمية، لأن المحتوى المثير والعاطفي يحصد تفاعلا أكبر من المحتوى الهادئ والدقيق. هذه الحقيقة تكشف أن المشكلة ليست فقط في المستخدم، وإنما في البنية الرقمية التي تكافئ الإثارة أكثر مما تكافئ الحقيقة.
وهكذا يجد الإنسان نفسه محاصرا داخل “فقاعة رقمية” تعيد إنتاج أفكاره باستمرار، وتدفعه تدريجيا نحو مزيد من الاستقطاب والتوتر، حتى بات البعض يعيش عزلة فكرية رغم اتساع دائرة الاتصالات من حوله.
المشكلة لم تعد في الوقت الذي تسرقه الشاشات، بل في الطريقة التي تعيد بها تشكيل الإنسان من الداخل، لقد أصبحنا أمام نوع جديد من “الاستعمار الرقمي الناعم”، إذ لا تفرض السيطرة عبر القوة التقليدية، بل عبر التحكم في الانتباه، وصياغة الذوق العام، وتوجيه الوعي الجمعي بطريقة غير مرئية.
وفي هذا السياق تظهر قضية أكثر عمقا تتعلق بما يمكن تسميته “الذاكرة الرقمية البديلة”، فالأجيال الجديدة لم تعد تبني وعيها وذاكرتها من الأسرة والمدرسة والمجتمع فقط، بل من خوارزميات تقرر يوميا ما الذي يجب أن نراه، وما الذي ينبغي أن ننساه.
لذلك لم يعد السؤال الحقيقي: هل تبني وسائل التواصل الوعي أم تدمر العلاقات؟ بل أصبح السؤال الأهم: من يملك وعينا اليوم؟
الإجابة المزعجة أن أحدا لا يملك وعينا بالكامل، لكن الأقرب إلى تشكيله هي تلك المنظومات الرقمية التي تسبح يوميا في بحر انتباهنا، وتعيد توجيه مشاعرنا وقناعاتنا بصمت، بينما نظن أننا نمارس حريتنا الكاملة.
إن مواجهة هذا التحول لا تكون برفض التكنولوجيا أو الهروب منها، بل ببناء “مناعة رقمية” تقوم على التفكير النقدي والوعي بآليات التلاعب النفسي. وربما نحتاج احيانا إلى ثلاث ثوان فقط قبل مشاركة أي محتوى لنسأل أنفسنا: هل هذا رأيي حقا… أم أن الخوارزميات نجحت في شحن مشاعري وتوجيهها؟
حينها فقط قد نبدأ أول خطوة لاستعادة سيادتنا على وعينا الإنساني.