جبل الطير: ذاكرة الصخر وظلال القداسة
عبدالرحيم العرجان
10-05-2026 10:13 PM
غارٌ صغير في جبلٍ مهيب، آوت إليه السيدة العذراء وطفلها نبي الله السيد المسيح عليهما السلام، في رحلةٍ أراد الله أن تكون في أرض مصر. واليوم نحن في عروس الصعيد، المنيا.
اجتزنا نهر النيل إلى الوجه القبلي بعبّارةٍ معدنية أقلّتنا مع عددٍ من السيارات إلى الطرف الآخر من مركز سمالوط، ونحن نرقب جبلاً عظيماً يتربّع عليه دير ومنازل تراثية، وفندقٌ بُني من ذات الصخر. فالبياض يعمّ المكان، والقلوب عامرة بصفائه النقي.
تخلّلنا بيادر خضراء زيّنت الجبل كالوشاح، يلتف حوله حتى وصلنا إلى بوابة الزوار، بعد المرور بعددٍ من المدافن المزركشة التي ما زالت مستخدمة لغاية اليوم، تضم رفات أهل المكان ومن نذر نفسه لخدمته، ومن أوصى أن يُدفن فيه بعد أن عادت روحه إلى بارئها.
مبنى مربع جميل العمارة، قليل الزخارف، من طابقين تعلوه قباب وجرسية، يتوسط باحة يعمّها السكون. وما إن تدخله من بابه الجنوبي حتى يدبّ في قلبك طمأنينة، تستحضر سكينة السيدة البتول حين آوت في غارها الصغير بضعة أيام، قد تكون ثلاثة، للاستراحة من عناء رحلةٍ أنهكت الجسد، يسودها القلق من بطش الطاغية هيرودس الذي أمر بقتل صغار الأطفال بلا رحمة، خشيةً على ملكه بعد أن ظهرت العلامة للمجوس بظهور النبي في فلسطين.
أُعيد إعمار المكان في عهد الملكة هيلانة عام 328م، ليبدع المهندس المصري في تصميمه، فيغدو أيقونةً معمارية فريدة تتفرّد بالبناء والتصميم، كرامةً لقدسية المكان واحتفاءً بالسيدة الأم واحتراماً لقاصديه من كل أصقاع الأرض.
يرتفع صحن الكنيسة على اثني عشر عموداً عظيماً، بقواعد مربعة وتيجان غير مزخرفة، وعوارض من ذات الصخر. وفي أحدها نُقِب جرن المعمودية، ومجالس حجرية تزيد من بساطة المكان وقربه من الروح، واتصال الجسد بالأرض، وكل ما يحيط به من صخر.
وعلى ذات الصخر طُبعت يد السيد المسيح حين احتمى من صخرة كادت أن تقع عليه، إلا أنها محفوظة اليوم في المتحف البريطاني، شاهداً آخر على الرواية. ومن هنا عُرف الجبل أيضاً باسم "جبل الكف" أو "الصخرة"، ونأمل أن تعود هذه القطعة إلى مكانها.
وفي أربعينيات القرن الماضي أُزيل السقف القديم، وبُني طابق ثانٍ يضم عدداً من القطع الأثرية والأيقونات التي أُهديت للدير، منها أيقونة أبدع برسمها الفنان أنسطاسي القدسي عام 1554م.
تجوّلنا في الجبل بين بيوتٍ ومساكن تراثية، وكان ترحاب الأهالي لافتاً عندما كانوا يرون علم بلادي الأردن المثبّت على حقيبتي، مع دعواتٍ لشرب الشاي وكرمٍ لا يُرد، لصدوره من القلب.
وفي حديثهم، أخبرونا أن المكان يشهد في عيد العذراء، بعد موسم الحصاد في شهر حزيران، توافد مئات الآلاف من الزوار من مسيحيين ومسلمين، مصريين وعرباً وأجانب.
أُنشئت دار ضيافة وفندق عصري لهذه الغاية، وكان لنا فيه عشاء مطل على النيل، في مشهدٍ أعدّه من أجمل ما في الزيارة. وقد أثارت صوره إعجاباً كبيراً عند نشرها على وسائل التواصل الاجتماعي، لما فيها من جمال يجمع بين الجبل والنيل والمزارع.
وكان النيل، قبل بناء السد العالي، يفيض حتى أطراف الجبل، فتُستخدم سلال معلّقة بالحبال لرفع المؤن، ومن هنا جاءت تسمية "جبل البكرة". وما زال معلم الصعود القديم قائماً حتى اليوم، وهو ما ذكره المقريزي، كما أضاف لتسميتة "بجبل الطير"
ومن الجبل درجٌ يقود إلى أسفله، وخلال جولتنا دخلنا كهفاً آخر يُعرف بـ"كنيسة الهروب"، بمدخلٍ مقوّس من ذات الصخر، بعمق خمسة عشر متراً، ينتهي بمذبحٍ وهيكل.
ومن هنا ارتحلت العائلة المقدسة إلى الأشمونين، وفي طريقهم استراحوا تحت شجرة لبخ (غار)، ما زالت قائمة حتى اليوم، وتُعرف باسم "شجرة العابد"، في موقعٍ ليس بعيداً عن الجبل.
وهكذا نغادر جبل الطير، لا ونحن نودّع مكاناً، بل نترك وراءنا صفحةً من السكينة علّقت شيئاً منها في أرواحنا. فليست كل الرحلات تُقاس بعدد الكيلومترات، بل بما تزرعه في القلب من طمأنينة، وما تفتحه من نوافذ للتأمل والإيمان.
في هذا الجبل، تختلط الحكاية باليقين، ويغدو الصخر ذاكرةً حيّة، تحمل آثار العابرين. ومع انسياب نهر النيل بجواره، كأن الزمن نفسه يهمس بأن ما مرّ هنا لم يكن عابراً، بل أثرٌ باقٍ يرويه المكان لكل من يقصده.
نمضي، ويبقى الجبل… شاهدًا على رحلةٍ مباركة، وعلى معنى أن تكون الأرض، في بعض بقاعها، أقرب إلى السماء.