facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




حكومة بدون موظفين


د. صالح سليم الحموري
11-05-2026 02:13 PM

في كل مرة ندخل فيها دائرة حكومية، نقف – بوعي أو دون وعي – أمام نموذج إداري وُلد في زمنٍ مختلف. مكاتب، توقيعات، طوابير، تحويلات بين الأقسام، وأشخاص يحمل كلٌ منهم جزءًا صغيرًا من الرحلة الطويلة للمعاملة.

لكن السؤال الذي بدأ يفرض نفسه اليوم بقوة ليس: كيف نزيد عدد الموظفين؟

بل: هل يمكن أن تعمل الحكومة أصلًا بطريقة مختلفة؟

هل يمكن أن نصل يومًا إلى “حكومة بدون موظفين”؟

قد يبدو السؤال صادمًا، أو حتى مخيفًا. لكنه في الحقيقة ليس سؤالًا عن إلغاء الإنسان، بل عن إعادة تعريف دوره.

فنحن لا نتحدث عن حكومة بلا عقول، ولا بلا قيادة، ولا بلا مسؤولية… بل عن حكومة تُدار فيها العمليات الروتينية بواسطة أنظمة ذكية ووكلاء ذكاء اصطناعي (AI Agents)، بينما ينتقل الإنسان إلى مستوى أعلى من التفكير، والتوجيه، وصناعة السياسات، والرقابة، والابتكار.

لقد بدأت ملامح هذه الحكومة تظهر بالفعل.

اليوم، تستطيع الأنظمة الذكية قراءة الطلبات، والتحقق من الوثائق، وربط البيانات بين الجهات، واكتشاف النقص، والتواصل مع المتعامل، وإصدار التنبيهات، بل وحتى اقتراح القرار المناسب. لم تعد المسألة مجرد “خدمة إلكترونية”، بل انتقال تدريجي من الحكومة الرقمية إلى ما يمكن تسميته “الحكومة التوكيلية” Agentic Government" "، حيث لا يكتفي الذكاء الاصطناعي بالمساعدة، بل يشارك في تنفيذ العمل نفسه.

في هذا النموذج، لن يكون الموظف التقليدي – الذي يقضي يومه في نقل البيانات، ومراجعة الأوراق، ومتابعة الإجراءات – هو محور العملية كما كان في الماضي. سيتولى الوكلاء الرقميين الجزء الأكبر من الأعمال التشغيلية المتكررة، بسرعة لا تعرف التعب، وبدقة لا تتأثر بالمزاج أو الإرهاق.

لكن المفارقة المهمة هنا: كلما زادت “أتمتة العمل”، ازدادت أهمية الإنسان.

فالآلة تستطيع تنفيذ الإجراء، لكنها لا تفهم العدالة كما يفهمها الإنسان.

تستطيع تحليل البيانات، لكنها لا تشعر بالسياق الاجتماعي أو الإنساني.

وقد تُصدر “أفضل توصية حسابيًا”، لكنها لا تعرف دائمًا ما إذا كانت “الأصح أخلاقيًا”.

لهذا، فإن حكومة المستقبل ليست حكومة بلا بشر، بل حكومة بلا “بيروقراطية بشرية زائدة”

الفرق كبير.....

الموظف الحكومي لن يختفي، لكنه سيتحوّل من منفذ للمعاملات إلى مصمم للتجارب، ومراجع للقرارات، ومدير للأنظمة الذكية، وحارس للقيم العامة. وستصبح مهارات مثل التفكير النقدي، وفهم الإنسان، وصناعة السياسات، والقدرة على إدارة الذكاء الاصطناعي، أهم من مجرد معرفة الإجراءات الورقية.

وربما هنا يكمن التحدي الحقيقي.

فالكثير من الحكومات تحاول "رقمنة التعقيد" بدل إزالته. تنقل نفس البيروقراطية الزائدة من الورق إلى الشاشة، دون أن تعيد التفكير في جوهر الخدمة نفسها. فنجد أنفسنا أمام “بيروقراطية إلكترونية” بدل البيروقراطية التقليدية.

الحكومة بدون موظفين لا تعني أن نضع روبوتًا مكان كل إنسان، بل أن نعيد تصميم الحكومة من الأساس:

كيف تُبنى الخدمة؟

كيف تتدفق البيانات؟

كيف تُتخذ القرارات؟

وما الذي يجب أن يبقى بيد الإنسان مهما تطورت الآلة؟

وفي عالمٍ تتسارع فيه التوقعات، وتزداد فيه الضغوط على الحكومات، لن يكون النجاح لمن يملك أكبر عدد من الموظفين، بل لمن يملك أكثر الحكومات "رشاقة"، وأسرعها تعلّمًا، وأكثرها قدرة على توظيف الذكاء الاصطناعي دون أن تفقد إنسانيتها.

ربما لن نصل إلى “حكومة بدون موظفين” بالمعنى الحرفي.

لكننا بالتأكيد نسير نحو حكومة أقل ازدحامًا بالبشر… وأكثر اعتمادًا على الذكاء.

وحين يحدث ذلك، لن يكون السؤال:

“كم موظفًا نحتاج؟”

بل:
“ما الذي يجب أن يبقى إنسانيًا… مهما أصبحت الآلة ذكية؟”





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :