facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




نحو اعادة تعريف مفهوم الرقابة المهنية ..


د. موسى الرحامنة
13-05-2026 01:51 AM

بعض الجرائم لا تعد مجرد أفعال يعاقب عليها القانون، بل كارثة اخلاقية تهز ضمير المجتمع بأسره؛ وما شهدته الساحة الأردنية من اتهامات خطيرة طالت طبيباً بالاعتداء وهتك عرض أحداث، ليس حادثة جنائية عابرة يمكن إدراجها في سجلات المحاكم ثم طيها بالنسيان ؛ بل إنذار مدوّ يدق ناقوس الخطر حول هشاشة بعض منظومات الرقابة المهنية، وحول الخطر الكامن حين يُساء استخدام السلطة الطبية تحت عباءة الثقة والعلاج.

فالمريض الذي يدخل إلى عيادة الطبيب، لا يدخلها بوصفه "زبوناً عادياً؛ بل يدخلها وهو منزوع الحذر، مسلماً جسده، وألمه، وضعفه، وأسراره، إلى شخص أقسم أن يكون أميناً على الكرامة الإنسانية قبل أن تكون وظيفته معالجة اجساد المرضى. ومن هنا، فأي اعتداء يصدر من طبيب لا يُعد جريمة أخلاقية فحسب، بل يُمثل انهياراً مروعاً لفكرة الائتمان المهني ذاتها.

إن خطورة هذه القضية لا تكمن فقط في طبيعة الأفعال المنسوبة، بل في الموقع الذي صدرت عنه، فحين يرتكب الاعتداء شخص يملك سلطة العلم، وهيبة المهنة، وثقة المجتمع، فإن الجريمة تتجاوز حدود الفعل الفردي لتتحول إلى طعنة في قلب الثقة العامة؛ ولهذا تتعامل التشريعات الحديثة مع الجرائم المرتكبة من أصحاب المهن الإنسانية بوصفها جرائم مشددة، لأن الجاني لا يستغل الضحية فقط؛ بل يستغل المكانة التي منحها له القانون والمجتمع.

وفي الفقه القانوني، تعد العلاقة الطبية من أخطر علاقات الثقة الخاصة"، إذ تقوم على عدم التكافؤ الكامل بين الطبيب والمريض؛ فالمريض يكون في حالة ضعف نفسي أو جسدي أو معرفي، بينما يمتلك الطبيب سلطة التقدير والمعرفة والتوجيه؛ ولذلك فإن أي استغلال جنسي أو أخلاقي أو نفسي يقع داخل هذا الإطار يُعد - قانوناً - استغلالاً لسلطة مهنية، وليس مجرد سلوك شخصي منحرف.

والأخطر من الجريمة نفسها، هو ذلك السؤال المقلق : كيف يمكن أن يستمر أي شخص في ممارسة مهنة بهذا الحجم من الحساسية دون ترصده منظومات الرقابة مبكراً ؟ وكيف يمكن أن تمر مؤشرات الانحراف دون مساءلة حقيقية؟ وأين تقف نقابة الاطباء ، ووزارة الصحة، وهيئات الترخيص من مسؤوليتها القانونية والأخلاقية في حماية المجتمع من المتسترين برداء المهنة؟

إن الكارثة الحقيقية تبدأ حين تتحول بعض المهن الإنسانية إلى مساحات مغلقة فوق النقد والمحاسبة، وحين يصبح الخوف على سمعة المهنة" مبرراً للصمت أو التخفيف أو التردد؛ والتستر على المنحرفين لا يمكن أن يحمي المهنة؛ بل تحميها القدرة الصارمة على عزل أولئك المنحرفين ومحاسبتهم وتجريدهم من أي حصانة معنوية.

لقد أن أوان الاعتراف بأن بعض القطاعات الطبية ولا سيما تلك المرتبطة بالتجميل أو العلاج النفسي أو التعامل مع القاصرين باتت بأمس الحاجة إلى رقابة مضاعفة وصارمة، لا لأن الأصل فيها الفساد، بل لأن طبيعتها تتيح احتكاكاً مباشراً مع أشخاص في حالات ضعف شديدة؛ وأي دولة لا تضع لهذه المساحات ضوابط أخلاقية وقانونية استثنائية، فإنها تترك أبواب الخطر مفتوحة على مصاريعها.

ومن الناحية القانونية، فإن المسؤولية هنا ليست مسؤولية جزائية فقط؛ بل مسؤولية مركبة؛ فهي مسؤولية جنائية، لأن الاعتداء على الأحداث جريمة تمس الجسد وتخدش الكرامة وتعبث ببراءة الطفولة؛ وهي مسؤولية تأديبية، لأن من يسيء استخدام المهنة يفقد أهلية الاستمرار في حمل صفتها ؛ ومسؤولية مدنية، لأن الضرر النفسي والمعنوي الواقع على الضحية لا يسقطه ويزيله مجرد توقيع العقوبة؛ وهي ايضاً مسؤولية مؤسسية، لأن أي تقصير رقابي يطرح تساؤلات خطيرة حول فعالية أنظمة المتابعة والتفتيش.

ولا يمكن الحديث عن معالجة حقيقية دون ثورة تنظيمية وأخلاقية داخل القطاع الطبي، تبدأ من إعادة تعريف مفهوم "الرقابة المهنية، بوصفها حماية للمجتمع ولشرف المهنة معاً، لا تهديداً للأطباء.

إن الحاجة اليوم لم تعد تقتصر على العقوبات بعد وقوع الجريمة، بل على بناء منظومة وقائية صارمة تشمل مراجعة آليات الترخيص والتخصص والإعلانات الطبية، وفرض رقابة دقيقة على العيادات والمراكز الحساسة، وإلزام المؤسسات الصحية بأنظمة توثيق ومراقبة واضحة، وإنشاء وحدات مستقلة لتلقي شكاوى المرضى والأحداث بسرية كاملة، وتسريع المحاكمات التأديبية ومنع أي متهم بجرائم مخلة بالشرف المهني من الاستمرار في ممارسة المهنة لحين البت القضائي، وإعادة تدريس أخلاقيات المهنة" بوصفها مادة مركزية لا هامشية في التعليم الطبي.

فالمجتعات تتقهقر وتتراجع حين يغدو من نحسبهم اصحاب رسالات انسانية سامية موضع خوف بدل أن يكونوا موضع أمان؛ فالطبيب الذي يُفترض أن يكون ملاذاً للضعفاء، إذا تحوّل إلى مصدر تهديد، فإن الخطر لا يعود فردياً؛ بل يصبح خطراً على البنية الأخلاقية للمجتمع بأسره.

ولهذا، فإن القضية اليوم ليست قضية شخص متهم فحسب؛ بل قضية ثقة عامة، وهيبة مهنة، وأمن أخلاقي، وواجب دولة في أن تبرهن أن لا أحد يعلو فوق القانون، مهما ارتدى من معاطف بيضاء، ومهما احتمى بألقاب أو شهرة أو نفوذ.

فالردع الحقيقي لا يبدأ من قاعة المحكمة فقط، بل يبدأ من رسالة واضحة تقول : إن المهن الإنسانية مقدسة، ومن يخن قدسيتها لا يفقد حريته وحدها، بل يفقد شرف الانتماء إليها.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :