facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




"حين تصبح الكلمة مسؤولية" .. الأردن يعيد تنظيم الإعلام الرقمي


فيصل تايه
13-05-2026 09:53 AM

مع اقتراب دخول نظام الإعلام الرقمي حيز التنفيذ الفعلي، والذي يُرتقب أن يبدأ العمل به في أواخر شهر أيار/ مايو الجاري، بعد انقضاء المدة القانونية المحددة بثلاثين يوماً من تاريخ نشره في الجريدة الرسمية ، سيدخل الأردن رسمياً مرحلة إعلامية جديدة تكتسب أهمية استثنائية مع بدء سريان مهلة الـ (٩٠) يوماً التي منحها النظام لتصويب أوضاع الجهات والمنصات الملزمة بالترخيص ، في خطوة تُعدّ من أكثر التحولات تأثيرًا على المشهد الإعلامي والسياسي والاجتماعي في البلاد منذ سنوات.

إن فهم هذا التحول ، يستدعي قراءة أعمق لأبعاده السياسية والإعلامية والسيادية والاقتصادية، والذي يمس بنية الإعلام والدولة والمجتمع ، في لحظة تتغير فيها قواعد التأثير وصناعة الرأي العام على مستوى العالم في عصر رقمي متسارع ، حيث تتخذ الحالة الأردنية موقعها ضمن هذا السياق الأوسع، بما يفرض قراءة خاصة لخصوصية التجربة المحلية ، فما يجري هو إعادة صياغة شاملة لمعنى الإعلام وحدود النشر ومسؤولية الكلمة، وهوية من يملك حق مخاطبة الرأي العام في الفضاء الرقمي الأردني .

وفي سياق إقليمي ودولي محتدم ، وفي ظل تنامي تأثير منصات التواصل خاصة العابرة منها للحدود على تشكيل الوعي العام وصناعة الرأي ، فقد تحولت تلك المنصات خلال السنوات الماضية إلى فضاءات مفتوحة تفتقر إلى الضوابط المهنية، ما أتاح لبعض الحسابات أداء أدوار إعلامية دون ترخيص أو مسؤولية، وأدى إلى تداخل الخبر بالإشاعة، وظهور أنماط من “اقتصاد الفوضى” الذي انعكس سلباً على المؤسسات الإعلامية المهنية التي تلتزم بمسؤولياتها الضريبية والعمالية تجاه كوادرها ، ومن هنا، لم يعد النقاش يدور حول تنظيم المهنة فقط، بل حول إعادة تعريف من يملك حق إنتاج وتشكيل الرواية العامة داخل الدولة ، وحماية الاقتصاد الإعلامي الوطني من "الاستنزاف الرقمي" غير المنظم .

بموجب هذا الواقع ، ومع المضيّ قُدُماً نحو تطبيق نظام الإعلام الرقمي ، ستضع الدولة الأردنية حدّ لهذا المشهد، مستدركةً أن هذه السيولة لم تعد تهدد الذوق العام فحسب، بل باتت تمس "السيادة الرقمية" للدولة في مواجهة تحديات تكنولوجية يفرضها الذكاء الاصطناعي وتقنيات "التزييف العميق"، التي قد تُستخدم كأدوات لهدم الثقة وزعزعة الاستقرار الوطني ، وهو ما يجعل التعامل مع المحتوى الرقمي اليوم جزءًا من منظومة الأمن الوطني المعلوماتي، وليس مجرد شأن إعلامي تقليدي.

وهنا يبرز وجه آخر لهذه المسؤولية ، فالمواجهة لا تقتصر على الأدوات التشريعية، بل تمتد إلى معركة "الوعي المجتمعي"، حيث يصبح التحصين الإعلامي جزءًا من حماية الدولة ، فالمواطن لم يعد متلقياً فقط، بل عنصراً أساسياً في الفرز والتقييم، والخط الدفاعي الأول أمام المحتوى المضلل.

ومن هنا، ينتقل النقاش من بُعده الإعلامي التقليدي إلى بُعد أكثر حساسية يتعلق بالبنية التنظيمية للفضاء الرقمي ذاته ، فبحسب النظام الجديد، لم يعد المطلوب فقط امتلاك موقع إلكتروني إخباري، بل إن أي منصة رقمية تمارس نشاطاً إعلامياً مهنياً أو تحقق عوائد مالية قد تصبح مطالبة بتصويب وضعها القانوني بالكامل.

وهنا يتجه المشهد نحو نهاية مرحلة “الإعلام العشوائي”، وبداية مرحلة “الإعلام المؤسسي الخاضع للقانون”، بما يحمله ذلك من إنصاف للمؤسسات الإعلامية العريقة، وحماية للاقتصاد الإعلامي من المنافسة غير العادلة، وإعادة تنظيم للسوق الإعلامي على أسس مهنية ، تضمن حقوق العاملين وحماية الصناعة الإعلامية .

لكن هنا تبدأ الأسئلة الحقيقية: هل نحن أمام خطوة إصلاحية لحماية المجتمع من فوضى المعلومات والابتزاز؟ أم أمام مرحلة تعيد رسم حدود حرية التعبير؟ إن الحكومة وهيئة الإعلام تؤكدان أن الهدف هو التنظيم ومنع العبث الإعلامي الذي تمدد لسنوات، وهو طرح واقعي لا يمكن تجاهل حجمه، خاصة مع انتشار الصفحات المجهولة وتأثيرها على الرأي العام.

في المقابل، لا يمكن إغفال القلق المشروع داخل الوسط الإعلامي؛ فالإشكال ليس في فكرة التنظيم، بل في دقة التمييز بين “حرية الرأي” و“النشاط الإعلامي المهني”، وكيفية التطبيق على الأرض دون توسع أو تأويل يخلق إرباكاً لصناع المحتوى الملتزمين والشباب المبدع الذين يمثلون طاقة إعلامية واعدة للأردن .

وهنا يجب أن تُقال الحقيقة بوضوح: أخطر ما قد تواجهه الدولة ليس الفوضى الإعلامية وحدها، بل اهتزاز الثقة إذا شعر المجتمع أن التنظيم قد يتحول إلى تضييق ، فالمعلومة التي كانت تُنشر سابقاً بسهولة، أصبحت اليوم مسؤولية قانونية ومهنية وأخلاقية، وقد تفتح تبعات قانونية حقيقية، ما يجعل الوعي بالنشر جزءاً من السلوك العام الجديد.

وانطلاقًا من هذا الواقع، تبرز الحاجة إلى مقاربة مؤسسية متوازنة تُدار على أعلى المستويات ، فنجاح هذا النظام لن يُقاس بعدد المخالفات، بل بقدرة الدولة على بناء بيئة إعلامية عادلة وشفافة، وإصدار أدلة إرشادية واضحة تفصل بين التعبير عن الرأي وبين الممارسة الإعلامية المهنية، بما يضمن وضوح القواعد للجميع دون لبس.

المطلوب اليوم ليس فقط تطبيق القانون، بل إدارة هذه المرحلة بحكمة سياسية، والاستثمار في الوعي الوطني كشريك في المنظومة، وتحويل الفضاء الرقمي إلى مساحة مسؤولة ومنتجه تساهم في بناء السردية الوطنية بدل أن تكون ساحة مفتوحة للتأثير غير المنضبط.

إن الإدارة الذكية قد تنقل الإعلام الأردني إلى مرحلة أكثر احترافاً ، حيث يصبح الإعلام المرخص مرجعية مهنية تحصّن الجبهة الداخلية من التشويش الرقمي ، فنحن أمام لحظة مفصلية: إما أن يتحول نظام الإعلام الرقمي إلى بداية إعلام مهني يحمي المجتمع والدولة، ويحتضن الإبداع المسؤول ، وإما أن يتحول إلى مساحة قلق إذا غاب التوازن المنشود.

لكن الحقيقة الثابتة أن المشهد الإعلامي الأردني لن يعود كما كان ، فقد انتهى زمن “الفوضى”، وبدأت مرحلة جديدة عنوانها: “الكلمة مسؤولية.. والسيادة الوطنية لا تتجزأ، والإعلام لم يعد خارج القانون.”

وفي نهاية المطاف، لم يعد الفضاء الرقمي مجرد ساحة للتواصل، بل غدا جزءاً أصيلاً من حياض السيادة الوطنية ، حيث لا مكان للفوضى، ولا حصانة لمن يتجاوز مقتضيات المسؤولية، في وطنٍ اختار أن يحمي مستقبله بقوة القانون ووعي الإنسان .

والله الموفق





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :