حين تُنتخب الواجهة ويُعيَّن القرار
صالح الشرّاب العبادي
13-05-2026 10:46 AM
* قراءة في قانون الإدارة المحلية الأردني بين اللامركزية الشكلية واستمرار القبضة المركزية
ليست المشكلة في أن تُنشئ الدولة مجالس محلية جديدة، ولا في أن تُكثِر من العناوين الإدارية الرنانة، فالتاريخ العربي مليء بالمؤسسات التي وُلدت بأسماء كبيرة وصلاحيات صغيرة. المشكلة الحقيقية تبدأ حين يتحول مفهوم “اللامركزية” نفسه إلى مجرد غلاف سياسي جميل يُعاد من خلاله إنتاج المركزية القديمة لكن بلغة أكثر حداثة وأناقة.
وفي الأردن اليوم، بينما يتقدم مشروع قانون الإدارة المحلية بوصفه خطوة إصلاحية نحو توسيع المشاركة الشعبية والتنموية، يبرز سؤال أكثر عمقًا من النصوص والشعارات:
هل نحن أمام نقل حقيقي للسلطة إلى المحافظات والبلديات؟ أم أننا أمام إعادة ترتيب للمركزية نفسها، لكن بثياب جديدة؟
الفرق بين الأمرين ليس لغويًا ولا تقنيًا، بل فرق يمس جوهر العلاقة بين الدولة والمواطن.
فاللامركزية الحقيقية لا تعني أن ينتخب الناس أشخاصًا محليين فقط، بل أن يمتلك هؤلاء المنتخبون سلطة القرار والإنفاق والتخطيط والمحاسبة. أما حين يبقى القرار النهائي في يد الإدارة المركزية، وتظل الموازنات مرهونة بالموافقة من فوق، فإن الانتخابات تتحول تدريجيًا إلى مشهد رمزي يمنح الإحساس بالمشاركة دون أن يمنح أدواتها الفعلية.
وهنا تظهر الإشكالية الأخطر في مشروع القانون؛ إذ يبدو أن هناك فصلًا مقصودًا بين “الشرعية الشعبية” و”السلطة التنفيذية”. المواطن ينتخب، لكن المعيَّن يُدير. المجالس تُناقش، لكن القرار الفعلي يبقى في مكان آخر. ورئيس البلدية قد يحمل صفة القائد أمام الناس، لكنه في كثير من التفاصيل يتحول إلى وسيط بين المجتمع والإدارة المركزية لا أكثر.
وهذه ليست قضية إدارية بسيطة، بل قضية تمس فلسفة الحكم المحلي كلها.
لأن أي تجربة لامركزية في العالم تقوم على قاعدة واضحة:
من يُحاسَب أمام الناس يجب أن يمتلك صلاحية القرار.
أما إذا امتلك المسؤول المنتخب الخطاب فقط، بينما احتفظ الموظف المعيَّن بالمفاتيح الحقيقية للإدارة والمال، فإننا لا نكون أمام لامركزية، بل أمام نسخة مُخففة من الإدارة المركزية التقليدية.
الأخطر من ذلك أن بعض التصورات المطروحة لتركيبة مجالس المحافظات تفتح الباب أمام تمثيل “الصفات” بدل تمثيل المواطنين. وحين يجلس ممثل القطاع أو النقابة أو الغرفة التجارية بوصفه ممثلًا لفئة محددة، فإن المجلس يتحول تدريجيًا من مساحة للصالح العام إلى ساحة تفاوض بين المصالح الجزئية.
وهنا تضيع الفكرة الأساسية للحكم المحلي.
لأن المحافظة ليست شركة مساهمة، وليست اجتماعًا للنخب الاقتصادية والإدارية فقط، بل مجتمع كامل فيه المزارع والعامل والموظف وربّة البيت والشاب العاطل عن العمل وسكان القرى البعيدة الذين لا تمثلهم النقابات ولا الغرف التجارية ولا شبكات النفوذ التقليدية.
وحين يشعر المواطن أن صوته الانتخابي لا ينعكس فعليًا على القرار، تبدأ أخطر مراحل التآكل السياسي الصامت؛ إذ يفقد الناس تدريجيًا إيمانهم بجدوى المشاركة نفسها.
هذه النقطة تحديدًا أخطر من القانون ذاته.
فالدولة تستطيع دائمًا إنشاء مؤسسات جديدة، لكنها لا تستطيع بسهولة إعادة بناء الثقة حين تتآكل.
والواقع أن الدول التي نجحت في بناء نماذج إدارة محلية قوية لم تبدأ من فكرة توزيع المناصب، بل من فكرة توزيع السلطة نفسها. التنمية لا تُصنع من العاصمة وحدها، ولا يمكن لمحافظة أن تتحمل مسؤولية نتائج قرارات لا تملك حق صناعتها أصلًا.
ولذلك فإن أي إصلاح حقيقي للإدارة المحلية يجب أن يبدأ من أربع قواعد واضحة:
انتخاب حقيقي لا شكلي،
وصلاحيات فعلية لا رمزية،
واستقلال مالي يتيح التخطيط المحلي،
ومساءلة مباشرة تجعل المواطن قادرًا على محاسبة من انتخبه لا من فُرض عليه إداريًا.
أما الإبقاء على ازدواجية “منتخب بلا سلطة” و”معيَّن يملك القرار”، فهو لا يصنع إدارة محلية، بل يصنع ارتباكًا إداريًا وصراع صلاحيات وتآكلًا بطيئًا للثقة العامة.
الأردنيون اليوم لا يبحثون عن ديكور إداري جديد، ولا عن إعادة تدوير للمصطلحات. ما يبحثون عنه ببساطة هو أن يشعر المواطن في المحافظات أن صوته يغيّر شيئًا فعلاً، لا أن ينتهي دوره لحظة إغلاق صندوق الاقتراع.
فاللامركزية ليست عدد المجالس ولا شكل الهياكل التنظيمية، بل مقدار السلطة التي يغادر بها القرارُ العاصمةَ إلى الناس. وحين يبقى القرار الحقيقي في الأعلى، تصبح كل المسميات الأخرى مجرد تحسينات شكلية على مركزية قديمة لم تغادر مكانها أصلًا.
* عضو مجلس محافظة العاصمة - الدورة الاولى