facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




العلوم السلوكية .. من أحدث نظم تطوير أداء القطاع الحكومي


م .زيد خالد المعايطة
17-07-2026 11:53 PM

تقدم مبادرة حديثة أطلقتها بلدية دبي لمحةً عن مستقبل العمل الحكومي، فبدلاً من الإعلان عن خدمة رقمية جديدة، أو تشديد الرقابة، أو تكثيف حملات التفتيش لمعالجة ظاهرة التخلص غير السليم من المخلفات الزراعية، بدأت البلدية من نقطة مختلفة تماماً، إذ سعت أولاً إلى فهم الأسباب التي تدفع إلى هذا السلوك، ثم صممت حلولها بناءً على ذلك الفهم، وهو تحول بسيط في ظاهره، لكنه يعكس تغيراً أوسع في الطريقة التي بدأت الحكومات تتعامل بها مع التحديات التي تواجهها.

على مدى عقود، اعتمدت الحكومات على التشريعات، والرقابة، والحوافز، وحملات التوعية لتشجيع المواطنين على اتخاذ قرارات أفضل، وما تزال هذه الأدوات ضرورية، لكن غالباً ما تبدأ الجهات المختصة بالسؤال عن كيفية تغيير سلوك الافراد، بينما تبدأ العلوم السلوكية من سؤال مختلف، لماذا يتصرف الناس بهذه الطريقة أصلاً، فهي تنطلق من حقيقة أن قراراتنا لا تتأثر بالمعلومات أو القوانين وحدها، بل بالعادات، وسهولة الإجراءات، والتوقيت، والتوقعات الاجتماعية، والطريقة التي تُصمم بها الخدمات، وعندما نفهم هذه العوامل يصبح بالإمكان معالجة أسباب المشكلة بدلاً من الاكتفاء بالتعامل مع نتائجها، فكل سياسة عامة تسعى في نهاية المطاف إلى التأثير في السلوك الإنساني، ومن هنا يصبح فهم هذا السلوك نقطة البداية في تصميم سياسات أكثر فاعلية في تحقيق الهدف من التغيير المنشود .

ويمثل هذا التوجه أكثر من مجرد أداة جديدة، فهو يعكس فهماً مختلفاً لدور الحكومة، فالحكومات وجدت لخدمة الناس، وتفاعل المواطنين مع الحكومة يتجسد في سلوكهم، ومن هنا يصبح فهم العوامل التي تشكل قراراتهم أمراً أساسياً عند تصميم السياسات والخدمات التي تسعى إلى التأثير فيها، فالخدمة الحكومية لا تحقق غايتها إلا عندما يختار المواطن استخدامها، والأنظمة لا تحقق أهدافها إلا عندما يلتزم بها الناس، ولذلك لم يعد فهم السلوك ترفاً أكاديمياً، بل أصبح جزءاً أساسياً من بناء نظم حكومية أكثر فاعلية..

وقد أصبح هذا التوجه جزءاً من العمل الحكومي في العديد من دول العالم، حيث ساهم في رفع الإقبال على الخدمات الرقمية، وتحسين الالتزام الضريبي، وتشجيع الرعاية الصحية الوقائية، وتعزيز الممارسات البيئية، وترشيد استهلاك المياه والطاقة، كما استُخدم لتشجيع المشاركة المجتمعية والسياسية، وفهم أنماط الاستقطاب الاجتماعي والسياسي، وكثير من هذه النتائج لم يتحقق عبر تشريعات جديدة أو إنفاق إضافي، بل من خلال إعادة تصميم الخدمات، وتبسيط الإجراءات، وتحسين أساليب التواصل مع المواطنين، أما بالنسبة للأردن، فالعبرة ليست في نقل هذه التجارب كما هي، وإنما في تبني طريقة التفكير ذاتها، فمع استمرار جهود التحديث والتحول الرقمي، قد يصبح فهم أسباب استخدام المواطنين لبعض الخدمات وعزوفهم عن خدمات أخرى أو توقفهم عن إكمالها، بنفس أهمية تطوير الخدمات نفسها.

ولعل هذا هو الدرس الأهم الذي تقدمه تجربة بلدية دبي، فالحكومات اعتادت لعقود أن تصمم سياساتها من أجل الناس، أما اليوم فهي تتجه بصورة متزايدة إلى تصميمها حول الناس، وستواصل التكنولوجيا، والخدمات الرقمية، والذكاء الاصطناعي، إعادة تشكيل العمل الحكومي، لكن نجاح هذه الأدوات سيظل مرهوناً بمدى فهم الحكومات للناس الذين صممت هذه الخدمات من أجلهم، لأن المعيار الحقيقي للحكومة الناجحة لا يقتصر على جودة الخدمات التي تقدمها، بل يمتد إلى مدى سهولة استخدامها، وإقبال الناس عليها، وقدرتها على تحقيق الغاية التي أنشئت من أجلها..





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :