التواضع نهج الحجاج في معان
أحمد الجبور
17-07-2026 11:29 PM
في مأثور الحكمة وما ورد عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه حين قال "رب رجل يعد بألف رجل ورب ألف لا يغنون عن رجل" تختزل هذه العبارة البليغة حقيقة إدارية وإنسانية عميقة فالقيمة الحقيقية للمواقع والمناصب لا تقاس ببريق ألقابها ولا بعدد شاغليها بل بنوعية الأثر الذي يتركه المسؤول في نفوس الناس وبمدى قدرته على تحويل سلطة المنصب إلى أداة للبناء والوئام لا وسيلة للاستعلاء والخصام
إن الإدارة الحديثة في جوهرها التحليلي تثبت يومًا بعد يوم أن المواقع تكثر حين نعدها بالأرقام لكن القادة الحقيقيين الذين يحسنون تدبيرها بحكمة وتواضع يبقون عملة نادرة
من المنظور المهني والاجتماعي يخطئ بعض من يتولون الأمانة والمسؤولية حين يظنون أن فرض الهيبة لا يكون إلا من خلال لغة الوعيد والتهديد ولا يدركون أن سلطة الإكراه قد تنتج صمتًا مؤقتًا يفرضه الخوف أو تجنب الصدام لكن هذا الصمت ليس تقبلًا ولا احترامًا فالناس لا تنسى خصومها والإمعان في جرح الكرامة والإنسانية يولد احتقانًا مكتومًا
ويرى خبراء علم الاجتماع السياسي والأمني أن كثيرًا من بؤر التوتر أو زعزعة السلم المجتمعي لا تنشأ من فراغ بل تكون غالبا قد نتجت من تصرف غير مسؤول أو سلوك فظ بدر من مسؤول ظن واهمًا أن غلظة القول والتصرف واستعراض القوة هما السبيل لضبط الأمور وفي هذا السياق جاء التحذير الإلهي حاسما وقاطعا ليرسم حدود الحجم الإنساني الطبيعي مهما علت مراتبه
قال الله تعالى "ولا تمش في الارض مرحا انك لن تخرق الارض ولن تبلغ الجبال طولا"
إن الإنسان الضعيف في تكوينه الفكري والنفسي هو من يستمد كبرياءه من بريق كرسيه فيصغر المنصب بوجوده أما القائد الحكيم فهو من يتسع قلبه للناس ويكبر به المنصب لأنه يدرك أن القوة الحقيقية تكمن في القدرة على احتوائهم كشركاء في مسيرة بناء الوطن.
إن السلم المجتمعي والأمن القومي لا يحفظان بفرض الضغوطات المستمرة بل بالسياسة الحصيفة التي تدرك طبيعة النسيج الاجتماعي وتتعامل معه باحترام فالقرب من الناس والاستماع إلى تطلعاتهم وحل مشاكلهم بطرق إنسانية هو الصمام الحقيقي للأمان وقد رسخ النبي محمد هذا المفهوم الإداري والإنساني في توجيهاته الشريفة حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ان الله رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف وما لا يعطي على ما سواه" رواه مسلم
وقال صلى الله عليه وسلم "وما تواضع احد لله الا رفعه الله" رواه مسلم
من هنا يتضح أن حكمة التدبير وبساطة التعامل هما المفتاحان الأساسيان لكسر الحواجز بين المسؤول والمواطن وتحقيق مبدأ كلنا للوطن ومن أجل الوطن حيث يتساوى الجميع في الواجبات والحقوق تحت مظلة سيادة القانون الممتزجة بروح العدالة والإنصاف
حين نلتفت إلى الميدان بحثا عن نماذج تطبيقية تجسد هذه الفلسفة الإدارية الرفيعة المستوى سنجد اسم عطوفة محافظ معان السيد خالد الحجاج كأنموذج يحتذى به في النبل والقيم والقيادة المتزنة ففي محافظة تحظى بمكانة تاريخية وعشائرية وازنة كمعان تظهر الحاجة جليًا إلى رجال دولة يتقنون فن الحوار ويحملون بساطة الكبار
لقد استطاع عطوفته بشهادة أهالي المنطقة والزملاء أن يثبت أن قدرة الطيب في الأفعال هي الأقوى والأبقى أثرًا فلم يسجل التاريخ الإداري له لجوءا إلى صوت عال أو استعلاء بالمسؤولية رغم امتلاكه كأي مسؤول لأدواتها السيادية بل تجاوز ذلك ليقدم نموذجا مبهرا بالتواضع المعطاء والبسمة الصادقة والكلمات الفطنة السهلة التي تدخل القلوب قبل الأدمغة لأنها تنبع من صدق النية والحرص على المصلحة العامة والوطن
إن النجاح الذي يحققه عطوفة الحجاج في معان يدعونا كمهنيين ومثقفين ملتزمين في تقديم أفضل ما لدينا من أجل رفعة الأردن إلى المطالبة بأن يكون هذا النهج هو المثل الأعلى في الإدارة المحلية فالرجل يمثل تجسيدا حيا لحكمة القيادة الهاشمية في انتقاء الرجال الرجال أولئك الذين يشبهون الوطن في بساطته وعمقه والذين يسعون بلا كلل للحفاظ على السلم المجتمعي وحفظ الأمن القومي بعيدا عن التمييز أو الإقصاء
إن المناصب تزول وتبقى السيرة ولن يذكر الناس للمسؤول كم من الوعيد أطلق بل سيذكرون كم من الأزمات بحكمته نزع وكم من القلوب بتواضعه كسب تحية إجلال لكل مسؤول يكبر به كرسيه ويظل وفيًا لتراب هذا الوطن وأهله سائرا على درب العطاء والحكمة.