بين التوازن والتموضع .. كيف تدير تركيا دورها في الصراع الأمريكي الإيراني؟
د. عبدالحفيظ العجلوني
13-05-2026 10:47 AM
في خضمّ الصراع القائم بين الولايات المتحدة وإيران، تبدو تركيا وكأنها تتحرك على حبل مشدود؛ فهي عضو رئيسي في حلف شمال الأطلسي (الناتو) وترتبط بعلاقات أمنية واقتصادية عميقة مع الغرب، لكنها تدرك في الوقت نفسه أن أي انهيار شامل في إيران أو انفجار إقليمي واسع ستكون له ارتدادات مباشرة على أمنها القومي واقتصادها وحدودها الشرقية. ومن هنا يمكن فهم السياسة التركية الحالية بوصفها سياسة “إدارة أزمة” أكثر منها سياسة “حسم” أو “مواجهة”.
خلال الأشهر الماضية حاولت أنقرة تقديم نفسها كطرف قادر على التواصل مع الجميع: الأمريكيين، والإيرانيين، ودول الخليج العربية. وفي هذا السياق أكد وزير الخارجية التركي هاكان فيدان أن المنطقة تحتاج، أكثر من أي وقت مضى، إلى التفاوض والتسويات السياسية لمنع الانزلاق إلى مواجهة شاملة.
لكن الموقف التركي لم يعد يقتصر على الدعوات الدبلوماسية، بل أصبح أكثر وضوحاً تجاه السلوك الإيراني في الخليج. فقد اعتبر فيدان أن تهديد الملاحة في مضيق هرمز أو نقل المواجهة إلى دول الخليج العربية يمثل “خطأً استراتيجياً”، لأنه سيدفع دول الخليج العربية إلى خصومة طويلة الأمد مع طهران، وسيؤدي إلى إعادة تشكيل التحالفات الإقليمية بصورة قد تكون أكثر خطورة على إيران ذاتها. فأنقرة تدرك أن أي تهديد مباشر لدول الخليج العربية سيدفع هذه الدول إلى مزيد من التحالف الأمني مع الولايات المتحدة وربما مع إسرائيل أيضاً، وهو ما تعتبره تركيا تطوراً يخلّ بالتوازن الإقليمي على المدى البعيد.
وتنطلق هذه الرؤية من إدراك تركي متزايد بأن أمن الخليج بات جزءاً من أمنها الاقتصادي والجيوسياسي المباشر، في ظل اعتماد تركيا على استقرار طرق التجارة والطاقة. كما أن الوجود العسكري التركي في المنطقة، وتحديداً في قطر عبر القاعدة التركية هناك، لم يعد مجرد تعبير عن التحالف مع الدوحة، بل أصبح جزءاً من معادلة الردع والتوازن الإقليمي.
وفي موازاة ذلك، برز تطور لافت في العلاقات التركية السعودية، التي انتقلت خلال السنوات الأخيرة من مرحلة التوتر الحاد، خاصة بعد مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي في إسطنبول عام 2018، إلى مرحلة من التنسيق السياسي والاقتصادي والأمني المتزايد. وقد ساهمت الأزمة الحالية في تعزيز هذا التقارب، في ظل توافق متنامٍ بين أنقرة والرياض حول ضرورة حماية أمن الخليج ومنع توسع دائرة الصراع.
وتدرك تركيا أن السعودية تمثل مركز الثقل العربي والخليجي، وأن أي دور إقليمي فاعل لأنقرة لا يمكن أن ينجح دون تفاهم متين مع الرياض. وفي المقابل، تنظر السعودية إلى تركيا باعتبارها قوة إقليمية تمتلك ثقلاً عسكرياً وسياسياً متنامياً، وقادرة على المساهمة في حماية التوازن الإقليمي دون أن تكون جزءاً مباشراً من الاستقطاب الأمريكي الإيراني الحاد.
لكن الدور التركي يبقى محكوماً أيضاً بحسابات اقتصادية معقدة؛ فإيران تمثل شريكاً مهماً لتركيا في مجالات الطاقة والتجارة البرية، كما أن أسواق دول الخليج العربية تُعد من أهم الشركاء التجاريين والاستثماريين لأنقرة، سواء عبر الاستثمارات المتزايدة داخل تركيا أو عبر التبادل التجاري والسياحي الكبير معها. لذلك فإن أي حرب واسعة في الخليج ستفرض كلفة اقتصادية كبيرة على تركيا، التي تواجه أساساً تحديات مالية واقتصادية داخلية.
ومن هنا يمكن فهم سياسة “التوازن الحذر” التي تتبعها أنقرة؛ فهي لا تريد خسارة إيران كشريك وجار استراتيجي، لكنها في الوقت ذاته لا تستطيع المجازفة بعلاقاتها المتنامية مع دول الخليج العربية. لذلك كثفت اتصالاتها مع دول الخليج العربية خلال الأزمة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على قنوات التواصل مع طهران، في محاولة لمنع الانفجار الكامل ومنع انهيار التوازن الإقليمي.
وفي المحصلة، تبدو تركيا اليوم وكأنها تحاول إعادة تعريف دورها الإقليمي بعيداً عن سياسة الاصطفاف الحاد، عبر الجمع بين النفوذ العسكري والدبلوماسية المرنة، والحفاظ على علاقاتها مع كل من إيران ودول الخليج العربية.
غير أن نجاح هذا الدور سيبقى مرتبطاً بقدرة أنقرة على تحقيق توازن بالغ الصعوبة: حماية مصالحها الاستراتيجية دون التحول إلى طرف مباشر في الصراع، ومنع تمدد النفوذ الإيراني دون دفع المنطقة إلى حرب مفتوحة.
في منطقة تعيش على إيقاع الأزمات المتلاحقة، قد تجد تركيا نفسها قريباً أمام اختبار حقيقي يفرض عليها الانتقال من سياسة إدارة التوازنات إلى دور أكثر وضوحاً وحسماً في رسم مستقبل الشرق الأوسط.