في زمن أصبحت فيه الكلمة تنتشر أسرع من الضوء، بات من المؤسف أن تتحول بعض المنصات الإعلامية ومواقع التواصل الاجتماعي إلى ساحات للتعميم والظلم وإطلاق الأحكام الجماعية. فخطأ فرد واحد قد يُستخدم أحيانًا للإساءة إلى مدينة كاملة، أو شعب بأسره، أو وطن عريق لا ذنب له سوى أن فردًا من أبنائه أخطأ. وهنا تكمن الخطورة؛ حين تُختزل الأوطان العظيمة في تصرف فردي لا يمثل إلا صاحبه.
إن العدالة الحقيقية لا تقوم على التعميم، بل على الإنصاف. فكل إنسان مسؤول عن أفعاله وحده، ولا يجوز أخلاقيا ولا إنسانيا أن تُحمّل المجتمعات بأكملها نتائج تصرفات فردية. وقد جاء القرآن الكريم بحكمة خالدة تؤسس لهذا المبدأ العظيم:
﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾
وهي قاعدة ربانية تؤكد أن الذنب فردي، والمسؤولية شخصية، وأن الإنسان يُحاسب على فعله لا على انتمائه أو وطنه أو مدينته.
ومن المؤلم أن نرى بعض الخطابات الإعلامية تُطلق أوصافا جارحة أو مسميات مهينة ترتبط بأوطان ومدن كاملة بسبب حادثة معزولة. فهذا الأسلوب لا يسيء إلى الأشخاص فحسب، بل يسيء إلى القيم الإنسانية ذاتها، ويزرع الكراهية والتنميط بين الشعوب. فالوطن ليس فردا، والمدينة ليست تصرفا عابرا، والشعوب لا تُقاس بأخطاء البعض، بل تُقاس بتاريخها وقيمها وأخلاق الغالبية العظمى من أبنائها.
الأردن، كغيره من الأوطان العريقة، بُني على الأخلاق والنخوة والكرامة، ولا يجوز أن يُوصم أو تُشوّه صورته بسبب أفعال فردية لا تمثل شعبه المعروف بأصالته واحترامه وقيمه العربية الأصيلة. وكذلك كل بلد عربي أو مدينة أو مجتمع، فالناس معادن، وفي كل مجتمع الصالح والطالح، لكن الإنصاف يقتضي أن يبقى الحكم على الفرد وحده.
إن الرقي الحقيقي في تناول القضايا لا يكون بالصراخ والتشهير والتعميم، بل باللغة الواعية المسؤولة التي تفرق بين الخطأ الفردي وصورة المجتمع بأكمله. فالإعلام رسالة، والكلمة أمانة، ومن واجب كل من يكتب أو ينشر أن يتحلى بالعدل والدقة واحترام كرامة الشعوب.
نحن بحاجة اليوم إلى خطاب أكثر نضجا وإنسانية، خطاب يُدين الفعل دون أن يطعن بالأوطان، ويحاسب المخطئ دون أن يُشوّه صورة الشعوب. فالأمم تُبنى بالوعي لا بالتنميط، وبالعدل لا بالتحامل، وباحترام الإنسان لا بإهانة انتمائه.
فليكن شعارنا:
كل ذنب على جنب صاحبه، والأوطان أكبر من أخطاء الأفراد.