يا طير يا طاير على العقبة .. دربك بالحفظ والصون - بإذن الله
حمزة المحيسن
13-05-2026 11:57 AM
مع الاعتذار للموسيقار الأردني الراحل جميل العاص، مؤلف ومُلحّن الأغنية التراثية الجميلة " يا طير يا طاير… دربك على باب الله"، فإن مشهد أسراب الطيور المهاجرة وهي تعبر سماء العقبة كل عام، دفعني إلى استحضار هذا اللحن الجميل بروح مختلفة، لأخاطبها وأنا أراها تحط رحالها في العقبة: " يا طير يا طاير على العقبة… دربك بالحفظ والصون بإذن الله".
تصل هذه الطيور إلى العقبة بأسراب تُقدّر بالآلاف، بعد رحلة شاقة تقطع خلالها آلاف الكيلومترات عبر قارات اوروبا وآسيا وأفريقيا. وتجد في العقبة محطة استراحة آمنة، تحتضنها بيئات مائية مميزة تشكلت عبر مسطحات وبرك اصطناعية أُنشئت كمحطات لمعالجة مياه الصرف الصحي من قبل شركة مياه العقبة، قبل أن تتحول بفضل جهود تشاركية بين سلطة منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة والجمعية الملكية لحماية الطبيعة إلى موئل بيئي عالمي لاستقبال الطيور المهاجرة دون " تأشيرة دخول" أو " جواز سفر “.
هذا الموقع البيئي الفريد، المعروف بمرصد طيور العقبة، أصبح نموذجاً ناجحاً لإعادة توظيف البنية التحتية في خدمة التنوع الحيوي، حيث وفّر للطيور المهاجرة ظروفاً بيئية ومناخية مناسبة، إلى جانب موقعه الجغرافي الاستراتيجي على أحد أهم مسارات هجرة الطيور في العالم، الذي يربط بين آسيا وأفريقيا عبر بوابة العقبة.
ويُعد المرصد نقطة عبور حيوية؛ فهو آخر محطة استراحة للطيور للطيور العابرة لبوابة العقبة قبل عبورها باتجاه سيناء وأفريقيا خلال موسم الخريف، وأول محطة استراحة لها عند العودة شمالاً في موسم الربيع. وعلى الرغم من صغر مساحته، إلا أنه يخدم أكثر من مليون طائر سنوياً، ما يمنحه قيمة بيئية عالية في دعم استقرار النظم الإيكولوجية.
وخلال موسمي الخريف والربيع، تتحول العقبة إلى محطة طبيعية نابضة بالحياة، حيث تستقبل الطيور المهاجرة المنهكة من رحلاتها الطويلة. ففي الخريف، تصل الطيور من أوروبا وآسيا متجهة نحو أفريقيا، بينما تعود في الربيع إلى مناطق تكاثرها شمالاً، لتكرر رحلة عبور مذهلة تتجدد كل عام.
ويمثل مرصد طيور العقبة تجربة بصرية فريدة، إذ يتيح للزوار مشاهدة أنواع من الطيور التي كانت في السابق أقرب إلى الخيال أو مشاهد الأفلام والرسوم المتحركة. فطائر الفلامنجو، الذي ارتبط في الذاكرة البصرية بأفلام مثل “أليس في بلاد العجائب”، يظهر اليوم واقفاً بهدوء في مياه المرصد، بألوانه الوردية اللافتة، وكأنه جزء من المشهد الطبيعي للعقبة، إلى جانب أنواع أخرى صغيرة وكبيرة تضيف تنوعاً بصرياً وبيئياً مميزاً.
وفي إنجاز يعكس مكانة هذا الموقع، يواكب الأردن اليوم العالمي للطيور المهاجرة ( الذي احتفى به العالم مؤخرا في 9-5-2026) بفخر، بعد أن تم اختيار مرصد طيور العقبة ضمن أفضل 100 قصة نجاح عالمية في منافسة الوجهات السياحية الخضراء، تقديراً لتطبيقه معايير السياحة البيئية المستدامة.
ولم يقتصر دور المرصد على البعد البيئي فقط، بل تحول إلى وجهة تعليمية وسياحية مهمة تستقطب الزوار من مختلف الفئات، من خلال تنظيم جولات تعريفية وتوعوية تسهم في تعزيز الوعي البيئي وترسيخ ثقافة حماية الطبيعة، إضافة إلى كونه وجهة مفضلة لهواة مراقبة الطيور من داخل الأردن وخارجه، حيث يتيح لهم فرصة توثيق أنواع نادرة والتفاعل المباشر مع البيئة الطبيعية.
وفي الختام، يبقى مرصد طيور العقبة أكثر من مجرد موقع بيئي؛ إنه قصة نجاح وطنية تعكس قدرة الأردن على تحويل التحديات إلى فرص، وصناعة نموذج بيئي وسياحي يحتذى به عالمياً. ولمن يرغب في متابعة هذه المشاهد الحية، فإن حسابات المرصد على مواقع التواصل الاجتماعي توثق لحظات مميزة لضيوف العقبة من الطيور المهاجرة، فكما يقول المثل الشعبي: " الشوف مش مثل الحكي".