من تايوان إلى هرمز: ماذا يريد ترامب من الصين
السفير د. موفق العجلوني
14-05-2026 09:49 AM
* ابعاد زيارة ترامب الى الصين
شكلت الزيارة الثانية للرئيس الأمريكي ترامب الى الصين بعد نحو تسع سنوات من زيارته الأولى عام 2017 محطة استراتيجية فارقة، لأنها تأتي في لحظة دولية شديدة التعقيد، تتداخل فيها ملفات التجارة والتكنولوجيا والطاقة والحرب في الخليج، إضافة إلى قضية تايوان التي تبقى العقدة الأخطر في العلاقات الأمريكية الصينية.
وتكتسب هذه الزيارة أهمية استثنائية لأن العالم لم يعد كما كان خلال الولاية الأولى للرئيس ترامب؛ فالصين أصبحت أكثر قوة وثقة، بينما تواجه الولايات المتحدة تحديات اقتصادية واستراتيجية متزايدة، في وقت تحاول فيه إدارة الرىيس ترامب إعادة تثبيت الهيمنة الأمريكية عبر سياسة “الضغط والتفاوض” مع القوى الكبرى.
ففي البعد السياسي، تحمل الزيارة محاولة لإعادة ضبط العلاقة بين واشنطن وبكين بعد سنوات من التوتر التجاري والتكنولوجي والعسكري. فمنذ عودة الرىيس ترامب إلى البيت الأبيض، تصاعدت الخلافات حول الرسوم الجمركية والرقائق الإلكترونية والنفوذ في بحر الصين الجنوبي، لكن الطرفين توصلا إلى قناعة بأن الصدام المفتوح سيؤدي إلى خسائر اقتصادية عالمية كبيرة. لذلك يسعى ترامب إلى إدارة المنافسة مع الصين لا إلى الانزلاق نحو مواجهة مباشرة معها، خاصة في ظل الأزمات الاقتصادية العالمية وارتفاع أسعار الطاقة.
أما بالنسبة لملف تايوان ، فهو يمثل الاختبار الأهم للعلاقات الأمريكية الصينية. فالصين تعتبر الجزيرة جزءاً من أراضيها وترفض أي دعم أمريكي لاستقلالها، بينما ترى واشنطن أن تايوان تمثل نقطة ارتكاز استراتيجية في مواجهة النفوذ الصيني في آسيا. ومن المرجح أن يسعى ترامب خلال الزيارة إلى تهدئة مؤقتة في هذا الملف، عبر منع التصعيد العسكري الصيني مقابل استمرار الدعم الأمريكي غير المباشر لتايبيه. لكن ذلك لا يعني حل الأزمة، لأن التنافس حول تايوان يرتبط بمستقبل ميزان القوى العالمي، وبهيمنة التكنولوجيا وصناعة الرقائق الإلكترونية المتقدمة.
وفيما يتعلق بإيران، فإن الزيارة تحمل بعداً بالغ الحساسية. فالحرب والتوتر في الخليج، واحتمالات إغلاق مضيق هورمون وضعت إدارة الرىيس ترامب أمام معادلة صعبة: فالتصعيد ضد إيران يهدد الاقتصاد العالمي وأسعار النفط، ويضر أيضاً بالصين التي تعتمد بشكل كبير على واردات الطاقة القادمة عبر الخليج. لذلك يتوقع أن يطلب ترامب من بكين ممارسة ضغوط على طهران لدفعها نحو تهدئة إقليمية أو على الأقل ضمان أمن الملاحة البحرية في مضيق هرمز. في المقابل، ستتعامل الصين بحذر، لأنها لا تريد خسارة شراكتها الاستراتيجية مع إيران، لكنها أيضاً لا تريد انهيار الاستقرار الاقتصادي العالمي.
و قد اصبحت ازمة مضيق هورمز اليوم أكثر من مجرد أزمة إقليمية؛ فهي تمثل صراعاً على النفوذ العالمي بين واشنطن وبكين. الولايات المتحدة تريد ضمان استمرار السيطرة الغربية على طرق الطاقة العالمية، بينما تسعى الصين إلى تأمين تدفق النفط والغاز لاقتصادها العملاق. ولهذا فإن أي تفاهم أمريكي صيني حول الخليج سيؤثر مباشرة على أسعار الطاقة العالمية وعلى مستقبل الصراع مع إيران. كما أن بكين تدرك أن استمرار الحرب في الخليج سيؤدي إلى تباطؤ اقتصادي عالمي يضر بصادراتها ونموها الصناعي.
اقتصادياً، يطمح الرىيس ترامب إلى تحقيق عدة أهداف من هذه الزيارة، أبرزها تقليص العجز التجاري الأمريكي، وإقناع الصين بتقديم تنازلات في ملف الرسوم الجمركية، وفتح الأسواق الصينية بشكل أكبر أمام الشركات الأمريكية، إضافة إلى جذب استثمارات صينية جديدة تدعم الاقتصاد الأمريكي قبل انتخابات التجديد النصفي. كما يسعى ترامب إلى إظهار نفسه داخلياً كرجل صفقات قادر على انتزاع مكاسب من بكين دون الدخول في حرب مفتوحة معها.
في المقابل، تتطلع الصين إلى تحقيق أهداف استراتيجية بعيدة المدى. فهي تريد تثبيت نفسها كشريك دولي لا يمكن تجاوزه في إدارة الأزمات العالمية، والحصول على تهدئة في الحرب التجارية والتكنولوجية مع واشنطن، والحفاظ على استقرار الاقتصاد العالمي الذي تعتمد عليه صادراتها. كما تسعى بكين إلى استثمار حاجة ترامب إليها في ملف إيران والخليج للحصول على مرونة أمريكية أكبر في قضايا مثل التكنولوجيا وتايوان.
أما فيما يتعلق بوقف إطلاق النار في الخليج، فمن المرجح أن تكون الصين لاعباً أساسياً في أي ترتيبات قادمة، لأنها تمتلك علاقات متوازنة مع إيران ودول الخليج العربي في الوقت نفسه. وقد تحاول بكين تقديم نفسها كوسيط دولي قادر على المساعدة في تهدئة التوترات، وهو ما يمنحها نفوذاً سياسياً متزايداً في الشرق الأوسط على حساب الدور الأمريكي التقليدي. وفي حال نجحت الصين في لعب هذا الدور، فإن ذلك سيعزز صورتها كقوة عالمية صاعدة قادرة على التأثير في ملفات الأمن والطاقة الدولية.
اما تطلعات الاردن لهذه الزيارة. ، ، فإن نجاحها في خفض التوتر بين واشنطن وبكين، أو المساعدة في تهدئة أزمة الخليج ومضيق هرمز، سيعزز الاستقرار الإقليمي ويخفف الضغوط الاقتصادية الناتجة عن ارتفاع أسعار النفط والتوترات الأمنية. كما أن الأردن يدرك أن استمرار الصراع بين القوى الكبرى سيؤدي إلى اضطرابات اقتصادية عالمية تنعكس مباشرة على المنطقة العربية، ولذلك فإن الاردن يراقب هذه القمة باعتبارها حدثاً قد يعيد تشكيل التوازنات الدولية في السنوات المقبلة.
وفي هذا السياق، تبدو المرحلة المقبلة مرهونة بقدرة الطرفين على الفصل بين التنافس الاستراتيجي الشامل وبين الحاجة إلى التعاون في القضايا التي تهدد الاستقرار العالمي، مثل أمن الطاقة والتجارة الدولية والأزمات الإقليمية. فالعالم اليوم يعيش حالة من الترابط الاقتصادي تجعل من الصعب على واشنطن أو بكين الذهاب نحو قطيعة كاملة، مهما ارتفع مستوى الخلاف السياسي والعسكري بينهما. ولذلك فإن من المرجح أن نشهد خلال السنوات القادمة نموذجاً جديداً من العلاقات الدولية يقوم على “الشراكة المتنافسة”، حيث يتعاون الطرفان في ملفات محددة، ويتصارعان في ملفات أخرى.
غير أن الخطر الحقيقي يكمن في سوء التقدير السياسي أو العسكري، خصوصاً في ملف تايوان أو بحر الصين الجنوبي أو الخليج العربي، إذ إن أي حادث أمني أو تصعيد غير محسوب قد يدفع العلاقة الأمريكية الصينية إلى مرحلة أكثر خطورة، تتجاوز الحرب الاقتصادية إلى مواجهة جيوسياسية مفتوحة. كما أن استمرار غياب الثقة بين الرئيس ترامب والقيادة الصينية سيجعل أي تفاهمات عرضة للاهتزاز، خاصة في ظل التغير السريع في التحالفات الدولية والتنافس على التكنولوجيا والطاقة والنفوذ العالمي.
ومن جهة اخرى ، فإن زيارة الرىيس ترامب إلى الصين و لقاىهً مع الرىيس الصيني شي جين بينغ ليست مجرد حدث ثنائي بين دولتين، بل هي مؤشر على التحولات الكبرى التي يشهدها النظام الدولي، حيث تتراجع الأحادية الأمريكية تدريجياً لصالح نظام عالمي أكثر تعقيداً وتعددية. فالصين لم تعد قوة اقتصادية فقط، بل أصبحت لاعباً سياسياً واستراتيجياً يسعى إلى إعادة رسم موازين القوى الدولية، بينما تحاول الولايات المتحدة الحفاظ على موقعها القيادي ومنع انتقال مركز الثقل العالمي إلى آسيا.
أما عربياً، فإن دول المنطقة تراقب هذه الزيارة بدقة، لأنها تدرك أن مستقبل الاستقرار الإقليمي مرتبط إلى حد كبير بطبيعة العلاقة بين واشنطن وبكين. فكلما اتجهت القوتان نحو التهدئة والتفاهم، انعكس ذلك إيجاباً على أسواق الطاقة والاستثمارات والاستقرار السياسي. أما إذا تصاعدت المواجهة بينهما، فإن الشرق الأوسط قد يتحول مرة أخرى إلى ساحة صراع دولي مفتوح، تتداخل فيه المصالح العسكرية والاقتصادية والاستراتيجية.
وفي النهاية، قد لا تحقق زيارة الرىيس ترامب إلى الصين حلولاً جذرية لكل الملفات العالقة، لكنها بلا شك ستشكل محطة مفصلية في رسم ملامح المرحلة القادمة من العلاقات الدولية. فهي زيارة تحمل فرصاً للتهدئة والتفاهم، لكنها في الوقت نفسه تكشف حجم التنافس العميق وانعدام الثقة بين القوتين الأكبر في العالم.
ولهذا فإن نجاحها الحقيقي لن يقاس فقط بالاتفاقات المعلنة أو الصفقات الاقتصادية، بل بقدرة الطرفين على منع العالم من الانزلاق إلى مرحلة جديدة من الانقسام والصراعات الكبرى التي قد تكون أكثر كلفة وخطورة من أي وقت مضى .
* المدير العام - مركز فرح الدولي للدراسات و الابحاث الاستراتيجيةً
[email protected]