facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




ذكرى النكبة .. حين تهزم الذاكرة الجغرافيا


فيصل تايه
14-05-2026 10:52 AM

​في الخامس عشر من أيار من كل عام، يستحضر الفلسطينيون ذكرى مؤلمة من صفحات التاريخ، فمنذ ثمانية وسبعين عاماً ما زالوا يواجهون جريمة مستمرة، جريمة اقتلاع شعب من أرضه ومحاولة طمس هويته وكسر إرادته وإلغاء حقه في الحياة والحرية والسيادة.

إنها النكبة .. الحدث الذي ظنّ الاحتلال ومن وقف خلفه أنه سيطوى مع الزمن، فإذا به يتحول إلى قضية شعب لا يموت، وإلى ضمير حيّ يفضح عجز العالم وصمته وانحيازه أمام واحدة من أطول المآسي الإنسانية والسياسية في العصر الحديث ، الذي باتت فيه المبادئ الدولية تُقاس بموازين المصالح لا بموازين العدالة .

​لقد قامت الفكرة الصهيونية منذ البداية على وهم أن الفلسطيني يمكن أن يُهزم بالنفي والتشريد، وأن الأجيال الجديدة ستنسى فلسطين تحت وطأة اللجوء والفقر والقهر وتبدل الأزمنة. لكن ما لم يدركه المحتل أن الفلسطيني لا يحمل وطنه في الجغرافيا فقط، بل يحمله في الذاكرة والهوية والوجدان، ولذلك بقيت فلسطين حاضرة في كل بيت ومخيم ومدينة ومنفى، تتناقلها الأجيال كما تتناقل الدم والكرامة والإيمان بالحق الذي لا يصدأ بمرور السنين ولا يشيخ بفعل الغياب.

​لقد راهن الاحتلال طويلاً على أن الفلسطيني سيتعب، وأن المنافي ستكسر ذاكرته، وأن الأجيال الجديدة ستنشغل بحياتها بعيداً عن فلسطين، لكن ما حدث كان صدمة لكل حساباتهم؛ إذ تحولت النكبة من حدث تاريخي إلى وعي متجدد، ومن مأساة لآباء مشرّدين إلى عقيدة وطنية تتوارثها الأجيال جيلاً بعد جيل، وهنا تجلت عظمة "التربية بالقدوة"، حيث لم تنجح كل محاولات "كي الوعي" أو تشويه الهوية في نزع فلسطين من عقول الناشئة، بل تحولت الدروس التي تُلَقن في البيوت وخلف مقاعد الدراسة إلى حصون منيعة، جعلت من جيل "التكنولوجيا والرقمنة" أكثر التصاقاً بتراب أجداده وأشد حزماً في المطالبة بحقه ، مما يؤكد أن معركة الوعي هي التي حسمت بقاء القضية حية في عقول الشباب قبل ساحات المواجهة.

​فالفلسطيني لم يورّث أبناءه مفاتيح البيوت وصور القرى وحكايات البرتقال والزيتون فحسب، بل ورّثهم قضية شعب، وإيماناً راسخاً بأن الأرض لا تخون أصحابها، وأن الحقوق التي تُنتزع بالقوة لا تستعاد إلا بالصمود والإرادة والكفاح الطويل؛ ليقف الأبناء اليوم بإرادة لا تنكسر ويقين ثابت بأن الاحتلال مهما امتلك من قوة وبطش، لن يستطيع إلغاء الحقيقة أو انتزاع الحق التاريخي لشعب ما زال يقف شامخًا فوق جراحه رغم المجازر والحصار والخذلان ، وهي معادلة كفاحية أثبتت أن القوة المادية تسقط أمام جبروت الحق الأخلاقي والمعنوي .

​واليوم، وبعد كل ما شهدته غزة والأراضي الفلسطينية المحتلة من دمار هائل ومآس إنسانية وحصار وتجويع وقتل، يقف العالم أمام اختبار أخلاقي وسياسي غير مسبوق ، فما يحدث اليوم ليس إلا محاولة بائسة لاستنساخ نكبة ثانية، لكن الصمود الأسطوري للفلسطيني فوق أنقاض منزله أثبت للعالم أن "هجرة ١٩٤٨" لن تتكرر، وأن الإنسان الفلسطيني بات اليوم متجذراً في أرضه، يفضل الشهادة فيها على الرحيل عنها ، فالأرض التي شهدت النكبة الأولى لن تكون مسرحاً لنكبات أخرى بفضل جيل قرر أن يكتب نهايته فوق ترابه لا في خيام اللجوء .

​ولم تكن فلسطين يوماً وحيدة في هذا الميدان، إذ يبرز الموقف الأردني الثابت كظهير وسند لا يلين، حيث تشكل الوصاية الهاشمية خط الدفاع الأول عن هوية القدس ومقدساتها، ويتلاحم الموقف السياسي مع الإسناد الميداني والإنساني ليعكس وحدة المصير التي لم تتبدل رغم كل الضغوط والتحديات، ضمانةً لصون الحقوق التاريخية في وجه محاولات التهميش أو التصفية .

​إن معركة الفلسطيني اليوم لم تعد على الأرض فحسب، بل هي معركة الرواية؛ فالعالم الذي كان يغمض عينيه بالأمس، بات اليوم يرى الحقيقة عارية عبر شاشات الهواتف، حيث يكتب الشباب الفلسطيني تاريخه بمداد من الصمود، ليعلن للعالم أن الرواية الفلسطينية هي التي ستنتصر في النهاية، لأنها رواية الحق في وجه زيف الادعاء.

​في ذكرى النكبة، لا يرفع الفلسطيني راية الحزن والاستسلام، بل يرفع راية الصمود والثبات والإيمان بأن الحق لا يُهزم، وأن فلسطين التي سكنت وجدان الأحرار ستبقى حاضرة رغم كل محاولات الطمس، حتى يأتي اليوم الذي يستعيد فيه الشعب الفلسطيني كامل حقوقه المشروعة. فالشعوب قد تُهزم عسكرياً، لكنها لا تموت ما دامت متمسكة بذاكرتها وكرامتها وهويتها، ولهذا ستبقى فلسطين حاضرة، وسيبقى شعبها واقفاً فوق جراحه، مؤمناً بأن الليل مهما طال لا بد أن ينكسر، وأن الأرض التي ارتوت بدماء أصحابها لا يمكن أن يمنحها التاريخ لغيرهم.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :