من أكثر المشاعر الإنسانية غموضا وتعقيدا هي الحب، لأنه لا يخضع دائما للمنطق أو الحسابات الواضحة، ولا يأتي وفق توقيت محدد أو شروط ثابتة، بل يتسلل إلى الإنسان بهدوء أحيانا وبعاصفة مفاجئة أحيانا أخرى، حتى يجد نفسه مشغولا بشخص معين دون أن يعرف تماما كيف بدأت الحكاية أو لماذا أصبح ذلك الشخص مختلفا عن بقية الناس؟، ولهذا بقي الحب عبر التاريخ موضوعا للفلاسفة والشعراء وعلماء النفس لأن كل محاولة لتفسيره تكشف جانبا منه وتترك جوانب أخرى أكثر غموضا.
الإنسان لا يقع في الحب غالبا بسبب الجمال وحده ولا بسبب الكلمات الجميلة فقط، بل لأنه يشعر تجاه شخص معين براحة داخلية يصعب تفسيرها وكأن ذلك الشخص استطاع بطريقة ما أن يلامس شيئا عميقا في داخله، قد يكون حاجة إلى الأمان أو رغبة بالاحتواء أو شعورا بالاهتمام والتقدير، أو حتى إحساسا نادرا بأنه مفهوم ومقبول كما هو دون تصنع أو خوف، ولهذا قد يبدأ الحب أحيانا من تفاصيل صغيرة جدا لا ينتبه لها الآخرون مثل طريقة الحديث أو أسلوب الاهتمام أو موقف إنساني عابر يترك أثرا لا ينسى.
من هنا أتذكر المقولة الشهيرة الحب من أول نظرة او Love at first sight وهي عبارة يرددها الناس كثيرا، لكن فهمها يحتاج إلى شيء من التأمل والواقعية، فهل يمكن فعلا أن يحب الإنسان شخصا من النظرة الأولى؟، في الحقيقة ما يحدث في أغلب الأحيان ليس حبا كاملا وناضجا بل انجذاب أولي قوي قد يتحول لاحقا إلى حب حقيقي إذا ترافق مع التفاهم والتقارب والانسجام النفسي، لأن الحب العميق لا يتشكل خلال ثوان معدودة بل يحتاج إلى معرفة ومواقف وتفاعل إنساني يكشف الطباع والقيم وطريقة التفكير.
لا يمكن إنكار أن بعض اللحظات الأولى تحمل تأثيرا نفسيا كبيرا جدا، فقد يشعر الإنسان منذ اللقاء الأول بانجذاب غير معتاد أو ارتياح داخلي تجاه شخص معين دون تفسير واضح، وربما يعود ذلك إلى الانطباع الأول أو لغة الجسد أو طريقة الكلام أو الإحساس بأن هناك شيئا مشتركا أو مألوفا بين الطرفين، ولذلك فإن ما يسمى الحب من أول نظرة قد يكون في حقيقته شرارة البداية وليس الحب الكامل نفسه، فالشرارة قد تشتعل بسرعة لكن استمرار النار يحتاج إلى ما هو أعمق من مجرد الانبهار الأول.
من الناحية النفسية يميل الإنسان غالبا إلى من يشبهه في بعض الجوانب أو يكمله في جوانب أخرى، وقد ينجذب إلى شخص يمنحه شعورا افتقده طويلا كالدعم أو الاهتمام أو الاحتواء أو الطمأنينة، ولهذا فإن الحب لا يرتبط فقط بالشخص الآخر بل يرتبط أيضا بالحالة النفسية للإنسان نفسه، فالشخص الذي مر بتجارب قاسية أو فترات طويلة من الوحدة قد يصبح أكثر تأثرا بأي اهتمام صادق أو قرب إنساني يشعره بالأمان.
الحب ليس مجرد حالة عاطفية شاعرية كما يتصور البعض، بل تحدث أثناءه تغيرات حقيقية داخل الدماغ، إذ يفرز الجسم مواد كيميائية مرتبطة بالسعادة والتعلق مثل الدوبامين والأوكسيتوسين وهي مواد تجعل الإنسان أكثر حماسا واندفاعا واشتياقا، ولهذا يحتل الطرف الآخر مساحة كبيرة من التفكير والانتباه وتصبح التفاصيل الصغيرة المرتبطة به ذات قيمة ومعنى مختلفين، وكأن الحب يعيد ترتيب المشاعر والأولويات داخل الإنسان بطريقة يصعب التحكم بها بالكامل.
لكن المشكلة أن كثيرا من الناس يخلطون بين الحب الحقيقي والتعلق العاطفي رغم أن الفرق بينهما كبير جدا، فالحب الصحي يمنح الإنسان راحة وهدوءا وشعورا بالأمان، بينما التعلق غالبا ما يصنع قلقا وخوفا دائما من الفقد أو الابتعاد، وفي الحب يحتفظ الإنسان بتوازنه وشخصيته واستقلاله، أما في التعلق فقد تتحول العلاقة إلى اعتماد نفسي يجعل راحته مرتبطة بشكل كامل بوجود الطرف الآخر أو اهتمامه أو قربه.
في أحيان كثيرة لا يتعلق الإنسان بالشخص نفسه بقدر تعلقه بالشعور الذي يمنحه ذلك الشخص فقد يتعلق بمن يشعره بالأمان بعد سنوات من الوحدة أو بمن يمنحه اهتماما افتقده طويلا، ولهذا قد يتمسك البعض بعلاقات مؤذية أو غير مستقرة فقط خوفا من الفراغ أو الخسارة، وهنا يتحول الحب من مصدر راحة إلى مصدر استنزاف نفسي وعاطفي. رغم كل هذا التعقيد يبقى الحب جزءا أصيلا من الطبيعة الإنسانية لأنه يمنح الحياة معنى مختلفا ويجعل الإنسان أكثر قربا من مشاعره ومن الآخرين، لكنه في الوقت نفسه يحتاج إلى وعي ونضج وتوازن لأن العلاقات لا تبنى على الانبهار وحده بل على الاحترام والتفاهم والصدق والقدرة على الاحتواء وتحمل الاختلافات، فالمشاعر مهما كانت قوية قد تخفت مع الوقت بينما تبقى الأخلاق والتفاهم والراحة النفسية هي الأساس الحقيقي لاستمرار أي علاقة، وربما لا يكون السؤال الأهم هو لماذا نقع في الحب فقط، بل كيف نحافظ عليه بطريقة صحية ومتوازنة؟، لأن الحب الحقيقي لا يجعل الإنسان يفقد نفسه، بل يجعله أكثر طمأنينة ونضجا وقدرة على مشاركة الحياة مع شخص يشعر معه بأنه أقرب إلى ذاته الحقيقية.
النصيحة الأساسية التي يمكن تقديمها، هو ان لا نجعل الحب يخرجنا عن السيطرة، وان لا نربط استقرارنا النفسي بوجود محبوب، وان لا نخلط بين الحب الذي يمنحنا الطمأنينة وبين التعلق الذي يسلبنا هدوءنا، وان نأخذ وقتنا في فهم مشاعرنا، وان نمنح العلاقة فرصة أن تختبر بالواقع لا بالانبهار الأول، وان نحتفظ دائما بحد أدنى من الاستقلال العاطفي لأن الحب الذي يستحق الاستمرار هو الذي يضيف إلى حياتنا ولا يختصرها في شعور واحد فقط، ويجعلنا أكثر اتزانا لا أكثر قلقا وأكثر هدوءا لا أكثر خوفا.
[email protected]