في ذكرى تأسيس الكيان الإسرائيلي
حسين بني هاني
16-05-2026 12:19 PM
كل الشهود حضروا في محكمة النكبة عام ثمانية واربعين ، لكن الضمير والعدالة الدولية غابوا عن الجلسة ، أكثر ما يحتاجه العالم اليوم ، في ظل استمرار هذه المأساة الإنسانية والسياسية ، هو التعاون لرفع الظلم عن الفلسطينيين . لم تكن النكبة حدثاً إنتهى في حينه ، بل حكاية ظُلم أجيال ممتدة ومؤلمة ، تدرك واشنطن وعواصم الغرب عموما أهميتها ، ولكنها تغضُّ الطرف عنها بحجة الخشية من تلطيخ سمعتهم بمعاداة السامية ، رغم أن الجميع باتوا يعيشون في عالم ، تتقلّبُ فيه السياسات والأهواء بين الفينة والأخرى ، تماماً مثل تقلّب مشاعر العاشقين . خذ مثلاً على سبيل الذكر ، ما جرى من مواقف في حرب الخليج …إذ مَنْ كان يظنُّ أن ردود الفعل الغربية ونتائج الحرب ، سوف تبدو وفق ذاك الحال الذي خيّم عليها هناك ؟ أظن أنّ الموعظة فيها كانت لازمة لمن يريد أن يعتبر ، لكن الرئيس ترامب ومعه نتنياهو أيضاً ، لايبدو أنهما وفق معاييرهما الإنتخابية ، يُعيران هذا الأمر الكثير من الاهتمام ، رغم أن الأمم المتحدة تذكّرهم كلّ عام بهذه المأساة ، ومعاناة الشعب الفلسطيني فيها .
كلّ حكومات العالم مثلاً ، تعرف أن نكبة الشعب الفلسطيني تأبى أن يشملها النسيان ، بل زادتها إبادة غزة وما جرى في الضفة الغربية ، رسوخاً في وجدان الشعوب هذه المرة ، وتعبّر عنها سفن الدعم والصمود الاوروبية ، في البحر المتوسط أحياناً ، تلك مسألة تحظى بكثير من الأهمية لدى العالم ، لكن إسرائيل مع ذلك لا تُلْقِي اليها بالاً ، بالاعتماد على دعم واشنطن اللامحدود ، رغم علمها أن السياسات عموما ومواقف الدول ، مثلها مثل قلوب البشر ، تتغيّر وتتبدّل وفق واقع الحال ، وبعضها مثل المنتجات الغذائية ، لها تاريخ صلاحية محدودة أيضاً ، وأن أي قراءة ملتبسة لها ، سيؤدي لامحالة إلى إنفصال إسرائيل عن الواقع .
ستبقى النكبة الفلسطينية حالة إنسانية وسياسية إستثنائية ، مبنيةٌ على فكرةٍ إستئصالية ، يصعب إختزالها في حالة إحتلالٍ ومجزرةٍ وقعت هنا ، أو تهجيرٍ وتنكيلٍ وقع هناك ، إذ لازالت غزة مثلا ومعها الضفة الغربية ، رغم كل ويلات سكانها شاهدةٌ على ذلك ، يواصل فيها الفلسطينيون بحزم ، بناء حلقة جديدة من حلقات الصمود الممتدّة ، يُغِيضُ نتنياهو فيها ، أنّ الناس رغم كل خسائرهم الجسيمة ، لازالوا يرفضون الهجرة ، ويصلّون تقرُّباً لله ضدّها كلّ يوم ، صلاة مودِّعٍ في محراب الوطن ، حالهم تماما مثل حال سدنة البيت العتيق ، يعتبرون الدفاع عنه والطواف في أرجائه ، وإمعان النظر إليه عبادةٌ للرحمن ، لن تنفع معها أي سرديّة اسرائيلية عسكرية كانت أم عقائدية، مثل تلك التي يحملها المتطرفون الاسرائيليون في صدورهم ، إذ يبدو أن أفكار اليمين الاسرائيلي تلك ، وفق المنظور الفلسطيني ، ودون وعي منهم ، ستبقى مجرّد سوء فهمٍ عميق في قراءة التاريخ ، مقابل وعيٌ فلسطيني جمعي ، بات يقرأ نكبته في ثنايا صفحات كتاب الحق والصمود ، ويوقِدُ على جنباته شمعة بيضاء كل يوم ، يتلو بفضل نورها من كتاب الله ماتيسّر ويُبَشّرُ الصابرين ، ويذكِّر قادة إسرائيل ، بأن النكبة وما فعلوه بعدها ، لن تكون بعد ما جرى في غزة ، آخر فصلٍ من فصول مقاومة سِفرِ تكوين دولة المحتلّين ، بعد أن اصبح لسان حال المرابطين على أرضهم يقول لاسرائيل ، إن عُدْتُمْ عُدنا ، فقد علّمنا التاريخ ، أن الباطل كان له جولة ، فما بالك بأصحاب الحق والأرض الصامدين عليها اليوم ؟