تواصل 2026: صراع على الشرعية أم تكامل استدعته لغة العصر؟
فيصل تايه
17-05-2026 08:42 AM
لم تعد مشكلتنا اليوم في وضوح الأفكار، بقدر ما باتت في سرعة تفسيرها بطرق خاطئة ومتسرعة ، ففي عالم مفتوح تتداخل فيه منصات التواصل، ويتدفق فيه الخبر بسرعة تفوق قدرة الناس على الاستيعاب والتدقيق، لم يعد المعنى يصل إليهم كما خرج من صدر صانعه، بل كما يُعاد تشكيله وتوجيهه في اللحظات الرقمية الأولى. وحين يسبق التفسير الخاطئ المعنى الحقيقي، يصبح الحفاظ على وعي الناس وثقتهم تحدياً كبيراً يتطلب وعياً استثنائياً من الجميع.
هذا الارتباك الذي يرافق أي تصريح أو نقاش رسمي لا يعود إلى خلل في الأفكار أو نوايا المسؤولين، بل هو نتاج طبيعي للواقع الجديد؛ واقع لم يعد يُدار برأي واحد أو مرجع احتكاري وحيد، بل أصبح فضاءً واسعاً تتقاطع فيه المؤسسات الصحفية العريقة مع فاعلين ومؤثرين جدد عبر الفضاء الرقمي، وتتسارع فيه سرعة النشر مع ضرورة التأكد والتحقق ، فهذا التعدد لا يعني بالضرورة إلغاء طرف للآخر، بل يعني توزيعاً جديداً للأدوار داخل منظومة إعلامية واحدة باتت أكثر تعقيداً وتشابكاً.
وفي هذا الاطار ، يبرز الجدل الذي أثير بالامس حول تصريحات وزير الاتصال الحكومي، الدكتور محمد المومني، في منتدى "تواصل ٢٠٢٦"، عندما أشار إلى أهمية الاستعانة بالمؤثرين وصنّاع المحتوى لمواجهة الشائعات ونشر الرواية الموثوقة ، وقد فهمه بعض الصحفيين المخضرمين والكتاب بطريقة مغايرة، واعتبروه انتقاصاً من مكانة الصحافة أو تراجعاً عن دورها لصالح فضاء رقمي قد يفتقر أحياناً إلى الرصانة والدقة.
لكن القراءة العميقة والموضوعية لحديث الدكتور المومني تؤكد أن المقصد الحقيقي لا يذهب أبداً نحو استبدال رصانة الصحافة بالسطحية، بل يتجه نحو استثمار أدوات العصر الحديثة ، فالدولة اليوم لا تبحث عن منح "الشرعية المهنية" للخطاب العابر، بل تدرك بلغة العصر والواقع الرقمي، أن مواجهة الشائعات التي تولد وتنتشر داخل المنصات الرقمية ومجموعات التواصل، تتطلب أدوات وصول سريعة ورشيقة تمتلك القدرة على التغلغل في ذات البيئة التي تنمو فيها تلك الشائعات.
إن جوهر هذا الخلاف لا ينشأ من تصريح الوزير، بل من الإصرار على رؤية المشهد كمعركة "إلغاء وكسر عظم" بين طرفين؛ حيث يصور البعض المسألة وكأنها مواجهة صفرية (إما الصحافة الرصينة او المؤثر الرقمي) ، بينما تشير الحقيقة إلى أننا انتقلنا من الإعلام القديم الذي يسير في اتجاه واحد من الدولة إلى الجمهور، إلى إعلام شبكي مفتوح تتنوع فيه قنوات الوصول وأدوات التأثير.
وهنا، يصبح من الضروري التفريق بذكاء بين "أدوات التأثير والوصول الجماهيري" وبين "المرجعية المهنية والمسؤولية التحريرية" ، فالأول (التأثير الرقمي) يتوسع بالانتشار السريع ويتحرك بعواطف اللحظة وخوارزميات الإنترنت، بينما الثاني (العمل الصحفي) يقوم على التثبت والتوثيق والمساءلة الوطنية والقانونية ، ولا يمكن لأي دولة تبحث عن الاستقرار أن تستبدل عمقها الصحفي وقاماتها الإعلامية بمنطق "عدادات المشاهدة" واللقطات العابرة، وفي نفس الوقت—ومن باب الواقعية السياسية—لا يمكنها إغلاق عيونها عن التأثير الساحق والقوة الإرسالية الكبيرة للمنصات الحديثة.
إن ما يحتاجه المجتمع والدولة اليوم ليس الانتقاص من تاريخ وتضحيات الصحافة المخضرمة والغيورة على ثوابت الوطن والمنتسبة لنقابتها العريقة، بل هو إعادة تنظيم ذكي للعلاقة بين كل مكونات المشهد ، فالإعلام لم يعد محصوراً بين جدران المؤسسات التقليدية، كما أنه لم يعد فضاءً مفتوحاً بلا ضوابط ، بل أصبح مساحة مشتركة تتطلب موازنة دقيقة بين رصانة "المهنة الملتزمة" وانفتاح "المنصات الرقمية"، دون أن يلغي أحدهما الآخر ، فالأصل والمنطق يقتضيان أن تظل الصحافة هي “المصدر الأساسي والمرجعي” للمحتوى الرصين والموثوق، في حين تسهم الأدوات الرقمية والمؤثرون المسؤولون في تسريع وصول هذا المحتوى وتوسيع دائرة تأثيره، دون تشويه أو تسطيح.
وعليه ، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في كثرة الأصوات ولا في تباين الآراء، بل في صون الحدود الواضحة والصارمة التي تفصل بين الخبر والرأي، وبين المعلومة المؤكدة والانطباع اللحظي، وبين عمق المهنية وسرعة الانتشار ، فحين تذوب هذه الحدود تحت وطأة الهجمات الرقمية أو غياب التوضيح، يضطرب وعي الشارع وتضيع الحقيقة قبل أن يختلف الناس على مضمون الفكرة نفسها ، وهي مهمة وطنية كبرى لا تقع على عاتق جهة واحدة، بل تقوم على شراكة منظمة ومسؤولة بين الحكومة والإعلام المحترف والمجتمع الرقمي .
إن إعادة ضبط هذا المشهد لا تستدعي مزيداً من الجدل والاصطفافات الشخصية، بل تتطلب دقة في القراءة، وفهماً أننا لا نعيش صراع تصفيات بين أدوات قديمة وجديدة، بل نمر بعبور طبيعي نحو عصر اتصالي جديد تتغير فيه الأدوات والقواعد والمفاهيم التي يجب أن نستوعبها جميعاً بروح المسؤولية الوطنية.
وفي النهاية، فإن معيار الوعي والنضج في التعامل مع هذه المرحلة ومخرجات منتدياتنا الوطنية الرفيعة كمنتدى تواصل، لا يُقاس بحجم الصخب والجلبة على منصات التواصل، بل بالقدرة على استيعاب منطق العصر: منطق لا يقوم على الإقصاء بل على التعاون، ولا على الاستبدال بل على التكامل؛ فالدول والمجتمعات المستقرة لا تُختبر اليوم في قدرتها على امتلاك الصوت العالي، بل في قدرتها المؤسسية على منع ضياع "المعنى الحقيقي" وسط زحام الأصوات والضوضاء .
مع تحياتي