منتدى "تواصل" .. بين طموح الشباب وتحديات الواقع
السفير د. موفق العجلوني
17-05-2026 10:39 AM
* هل وصل صوت الشباب… ؟
حالت بعض الظروف الطارئة دون مشاركتي انا وابني الشاب فارس العجلوني زميل سمو ولي العهد في سنوات الدراسة في " كينغز أكاديمي" ... المشاركة في هذا المؤتمر الوطني الهام، ودون تلبية الدعوة الكريمة التي تلقيناها من مؤسسة ولي العهد، وهي المؤسسة التي أتشرف بأن أكون أحد الموجهين فيها، والرغم من عدم تمكننا من الحضور، فقد تابعنا بكل اهتمام واعتزاز فعاليات منتدى " تواصل " في قصر المؤتمرات في البحر الميت، تحت رعاية سمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني حفظه الله ، وبمرافقة سمو الأميرة رجوة الحسين، وما شهده المنتدى من حوارات ثرية، وأفكار متنوعة، ومداخلات ونقاشات عكست حرصاً وطنياً صادقاً على مستقبل الشباب الأردني ودورهم في صناعة المستقبل.
ومن هنا، وجدت من واجبي الوطني والأخلاقي أن أدلي بدلوي حول هذا المؤتمر الهام، باسمي وباسم الأبن فارس العجلوني، الذي يكن كل التقدير والاحترام والمحبة لسمو ولي العهد، ولـمؤسسة ولي العهد، ولجميع القائمين عليها و على رأسهم الدكتورة تمام منكو ، تقديراً لما تقوم به من دور ريادي ومحوري في دعم الشباب الأردني، وفتح آفاق الحوار والتمكين أمامهم، وتعزيز مشاركتهم في مسيرة البناء والتحديث .
جاء انعقاد الدورة الرابعة لمنتدى " تواصل " 2026 في قصر المؤتمرات في منطقة البحر الميت تحت رعاية سمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني حفظه الله ، ليؤكد مجدداً أن ملف الشباب ما يزال يحتل موقعاً متقدماً في أولويات الدولة الأردنية، خصوصاً في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة، وارتفاع نسب البطالة، وتزايد القلق لدى آلاف الخريجين والخريجات الذين ينتظرون فرصة عمل تحفظ كرامتهم وتترجم سنوات الدراسة والتعب إلى واقع ملموس.
لا يمكن إنكار أهمية انعقاد مثل هذه المنتديات الوطنية، فهي توفر مساحة للحوار المباشر بين صناع القرار والشباب، وتمنح الفرصة للاستماع إلى الأفكار والمبادرات والطموحات. كما أن رعاية سمو ولي العهد لهذا الحدث تحمل رسالة سياسية ومعنوية مهمة مفادها أن الشباب ليسوا مجرد رقم في الإحصاءات، بل هم شركاء في بناء المستقبل.
ومن أبرز الإيجابيات التي يمكن تسجيلها لهذا المنتدى أنه سلط الضوء على قضايا التحول الرقمي، وريادة الأعمال، والتدريب المهني، وربط التعليم بسوق العمل، وهي ملفات أصبحت ضرورية في عالم متغير لا يعترف بالشهادات وحدها، بل بالمهارات والقدرة على الابتكار والتكيف.
كذلك، فإن مجرد جمع شباب من مختلف المحافظات والقطاعات في منصة واحدة يفتح المجال لتبادل الخبرات والأفكار، ويعزز الشعور بالمشاركة الوطنية، خاصة في وقت يشعر فيه كثير من الشباب بالتهميش أو البعد عن مراكز القرار.
لكن، وفي المقابل، فإن أي قراءة واقعية ومنصفة لهذا المنتدى يجب ألا تكتفي بالمشهد الاحتفالي أو الخطابات العامة، بل ينبغي أن تطرح أسئلة جوهرية يرددها الشارع الشبابي يومياً:
• هل يشعر الشاب العاطل عن العمل، الذي أنهى دراسته الجامعية بعد أن تكبد أهله “الغالي والرخيص”، أن هذه اللقاءات تلامس معاناته الحقيقية؟
• وهل خرج المنتدى بحلول عملية قابلة للتنفيذ، أم بقي ضمن إطار النقاشات والتوصيات التي تتكرر في مناسبات عديدة دون أثر ملموس على الأرض؟
الحقيقة التي لا يمكن تجاوزها أن آلاف الشباب الأردنيين لا يعانون فقط من قلة فرص العمل، بل من فجوة متزايدة بين مخرجات التعليم واحتياجات السوق. فهناك خريجون في تخصصات مشبعة، وآخرون يمتلكون شهادات ممتازة لكنهم يفتقرون إلى الفرص أو التدريب العملي أو حتى العدالة في التنافس على الوظائف.
ومن المهم أيضاً التساؤل بموضوعية : هل مثل هذا اللقاء جميع فئات الشباب الأردني؟ فالشباب في العاصمة يختلفون في أولوياتهم عن شباب المحافظات والأطراف. وهناك فئة واسعة من الشباب ربما لا تصل أصواتهم إلى مثل هذه المنتديات، كالعاطلين عن العمل منذ سنوات، أو العاملين بأجور متدنية، أو أولئك الذين فقدوا الثقة بجدوى الحوار بسبب غياب النتائج الملموسة.
إن تمثيل الشباب الحقيقي لا يتحقق فقط عبر الحضور الرسمي أو المشاركة النخبوية، بل عبر ضمان وصول صوت الشاب البسيط، وخريج الجامعة الباحث عن فرصة، والشابة التي تواجه صعوبات اقتصادية واجتماعية، والشباب في المحافظات البعيدة الذين يشعر بعضهم أن التنمية لا تصل إليهم بالقدر الكافي.
كما أن الشباب اليوم لا يريدون سماع الشعارات فقط، بل ينتظرون قرارات واضحة، مثل:
o خلق فرص عمل حقيقية مرتبطة بمشاريع إنتاجية.
o إعادة النظر في التخصصات الجامعية الراكدة.
o التوسع في التدريب المهني والتقني.
o دعم المشاريع الصغيرة بتمويل ميسر.
o تحقيق العدالة والشفافية في التوظيف.
o تعزيز دور القطاع الخاص في استيعاب الخريجين.
ورغم كل التحديات، يبقى الحوار الوطني ضرورة لا غنى عنها، لأن البديل عن الحوار هو اتساع فجوة الثقة بين الشباب والمؤسسات. لكن نجاح أي منتدى أو مؤتمر لا يقاس بعدد الحضور أو حجم التغطية الإعلامية، بل بقدرته على تحويل التوصيات إلى سياسات وفرص يشعر بها المواطن في حياته اليومية.
ويبقى الأمل أن تكون منتديات " تواصل " خطوة ضمن مسار طويل من العمل الجاد، لا مجرد محطة إعلامية عابرة، وأن يتحول الحديث عن الشباب من إطار الوعود إلى واقع يمنحهم الأمل والاستقرار وفرصة المشاركة الحقيقية في بناء وطنهم ومستقبلهم.
* المدير العام - مركز فرح الدولي للدراسات والأبحاث الاستراتيجية
[email protected]